المادة

شرح الحديث الـ 207 في فضل مَن صام يومًا في سبيل الله

 عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

شرح الحديث الـ 207

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا .

فيه مسائل :


1 = " في سبيل الله " : المراد به عند الأكثر : أنه الجهاد في سبيل الله ، والرِّبَاط تَبَع له .
قال المهلب : هذا الحديث يدل أن الصيام في سائر أعمال البر أفضل إلاّ أن يخشى الصائم ضعفًا عند اللقاء ؛ لأنه قد ثبت عن الرسول أنه قال لأصحابه في بعض المغازي حين قَرب مِن الملاقاة بأيام يسيرة : " تَقَوّوا لعدوكم" فأمرهم بالإفطار ؛ لأن نفس الصائم ضعيفة ، وقد جَبَل الله الأجسام على أنها لا قِوام لها إلاَّ بالغذاء . نقله ابن بطال .
وقال ابن الجوزي : إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد . نقله ابن حجر .
وقال ابن دقيق العيد : قَوْلُهُ " فِي سَبِيلِ اللَّهِ " الْعُرْفُ الأَكْثَرُ فِيهِ : اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِهَادِ ، فَإِذَا حُمِلَ عَلَيْهِ : كَانَتْ الْفَضِيلَةُ لاجْتِمَاعِ الْعِبَادَتَيْنِ - أَعْنِي عِبَادَةَ الصَّوْمِ وَالْجِهَادِ .
وقال النووي : فيه فضيلة الصيام في سبيل الله ، وهو محمول على مَن لا يتضرر به ، ولا يُفوِّت به حقا ، ولا يَخْتَلّ به قتاله ولا غيره مِن مُهمات غَزْوِه . اهـ .
واستدلّ ابن حجر بروايةٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه بِلفظ : "ما مِن مُرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله " على أنه في الجهاد في سبيل الله .

2 = قال النووي : معناه المباعدة عن النار والمعافاة منها . والخريف السنة ، والمراد سبعين سنة . اهـ .
ومُقتضى ذلك : الأمن مِن سَماع حسيسها ، والنجاة منها ومِن دُخولها .

3 = بَعّد :بمعنى " باعَد " ، و" باعَد " رواية مسلم .

4 = ورد في أحاديث أخرى خِلاف هذا .
ففي حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : مَن صَام يومًا في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خَنْدَقًا كما بين السماء والأرض . رواه الترمذي ، وقال الهيثمي : رواه الطبراني في الصغير والأوسط ، وإسناده حسن . وحسّنه الألباني .
ومعلوم أن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام .
وفي حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : مَن صَام يومًا في سبيل الله عزّ وَجَلّ بَاعَد الله منه جهنم مسيرة مائة عام . رواه النسائي ، وحسّنه الألباني .

والجواب عنه من وجوه :
الأول : أن لفظ السبعين يُراد به التكثير .
والثاني : بحسب الصيام ومشقته وشِدّته ، واختلاف الصيام بين الصيف والشتاء ، وبين البلاد الحارة والباردة .
والثالث : عِظَم الأجر بِإخفاء العَمَل .
الرابع : أن ذِكر السبعين لا يُنافي ذِكر المائة عام ، ولا خمسمائة عام ؛ لأن ذِكْر ما بين المساء والأرض (خمسمائة عام) هو أعظم ما يُباعَد ، والسبعين أقلّ ما يُباعَد .. وذِكْر السبعين والمائة لا يُنافي الخمسمائة ، بل هي داخلة فيه .

5 = التنصيص على الخريف دون غيره :
قال ابن حجر : تخصيص الخريف بالذِّكْر دون بقية الفصول - الصيف والشتاء والربيع - لأن الخريف أزكى الفصول لكونه يجني فيه الثمار . ونقل الفاكهاني أن الخريف يجتمع فيه الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة دون غيره . ورد بأن الربيع كذلك . اهـ .

6 = فيه فضل الصيام في سبيل الله ، ما لم يتعارض مع غيره من المصالح العامة ، مِن قِتال وإعْداد وغير ذلك ، فإن تعارض قُدِّمت المصلحة العامة .
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم الفتح : إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم . قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : فكانت رُخْصَة ، فَمِنَّا مَن صام ، ومِنَّا مَن أفطر ، ثم نَزَلْنَا مَنْزِلاً آخر ، فقال : إنكم مُصَبِّحُو عدوكم والفطر أقوى لكم ، فأفطروا ، وكانت عَزْمَة ، فأفطرنا . رواه مسلم .

وبالله تعالى التوفيق .

روابط ذات صلة

المادة السابق
علامات ليلة القدر
المواد المتشابهة المادة التالي
نور البدر في مسائل ليلة القدر