جديد الموقع
حكم جمع العصر مع الجمعة => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? هل يجوز أن يغتسل للجمعة قبل طلوع الشمس ؟ => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? ما هي الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الجمعة ؟ => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم التطيب والاغتسال يوم الجمعة => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? هل يكفي غسل الجنابة عن غسل يوم الجمعة ؟ => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? عن صلاة الجمعة => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? مقدار الساعة يوم الجمعة عند التبكير لها => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? الكلام أثناء خطبة الجمعة => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? من فاتته الجمعة فيجب أن يقضيها ظهرا اربع ركعات => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ? مالمراد بالساعة الأولى والثانية والثالثة في الحضور لصلاة الجمعة => فتاوى ودروس من المسجد الحرام - الجمعة - محمد بن صالح العثيمين ?

تغريدات

إعلانات

عدد الزوار

الاحصائيات
لهذا اليوم : 1269
بالامس : 6093
لهذا الأسبوع : 12791
لهذا الشهر : 96380
لهذه السنة : 1144720
منذ البدء : 1599148
تاريخ بدء الإحصائيات : 12-10-2011

المتواجدون

انت الزائر :1843065
يتصفح الموقع حالياً : 85
مدة بقاء المتواجدون : 1 ثانية


المادة

آداب النصيحة

 محمد صالح المنجد

عناصر الخطبة
1/ واجب النصيحة 2/ فوائد النصيحة 3/ أسباب ضياع النصيحة 4/ أمثلة من نصح الصحابة 5/ آداب النصيحة 6/ الفرق بين النصيحة والتأنيب 7/ أهمية القيام بهذا الواجب 8/ الخلط بين النصيحة والغيبة.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

عباد الله: إن من محاسن دين الإسلام أنه جاء بالنصيحة بين المسلمين، ونصح المسلم للمسلم، وهذا الأدب العظيم والشعيرة الإسلامية طالما غابت عن كثير منا، فلم يبذل كثير من الناس النصح، ولم يستمع المنصوح، فضاعت النصيحة بين التفريط فيها، وبين الانقياد للحق الذي يأتي فيها.

وهكذا إذا رأيت يا عبد الله أسباب الانحراف والأخطاء في الواقع رأيت أنه يعود إلى التقصير في هذه الفريضة الإسلامية، ولذلك فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جعل من حق المسلم على المسلم أن ينصح له، فقال: "حق المسلم على المسلم"، وذكر منها "وإذا استنصحك فانصحه" أو "فانصح له".

إن هذه النصيحة التي تعني الأمر الخالص، فالعسل إذا نصح أي صار خالصاً، وكذلك اللبن، فالنصيحة أن تصفي وتخلص من الشوائب ما تريد أن تقوله للمنصوح، إن النصح يلم شعث المسلم من قبل أخيه المسلم، إنها إرادة الخير للمنصوح، وقد قال هود عليه السلام: (وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ) [سورة الأعراف: 68]، وقال نوح: (وَأَنصَحُ لَكُمْ) [سورة الأعراف: 62]، وكان كثير الدعوة عليه الصلاة والسلام.

إنها وظيفة الرسل (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ) [سورة الأعراف: 62]، إنه الباب العظيم الذي يجعل الإنسان يثق بأخيه المسلم حتى أن إبليس لما أراد أن يغوي أبانا آدم وأمنا حواء جاء بطريقة النصيحة، (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ) [سورة الأعراف: 21].

والله -عز وجل- قد جعل النصيحة حيلة العجزة وعذر القاعدين إذا اضطروا ورافعاً للحرج عنهم، فقال: (لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ) [سورة التوبة: 91]، ليس على هؤلاء حرج إذا قعدوا ونصحوا ما داموا معذورين في القعود.

أيها المسلمون، تأملوا كيف ضاع حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بيننا عندما قال: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم" (رواه مسلم).

"الدين النصيحة"، لقد عبر عن الدين بأنه النصيحة؛ لعظم منزلة النصيحة في الدين، كما قال: "الحج عرفة" لعظم عرفة في الحج، والنصيحة لله هي الإيمان به وأسمائه وصفاته وطاعته سبحانه، وطاعته واجتناب معصيته، والنصيحة لكتاب الله الإيمان أنه كلام الله، والعمل بما فيه، والنصيحة للنبي -صلى الله عليه وسلم- تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر واجتناب ما نهى عنه وزجر، والنصيحة للأئمة المسلمين بمعاونتهم على الحق وعدم طاعتهم في الباطل وإرشادهم إلى الصواب، وأما النصيحة لعامة المسلمين فهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

تأمل إذن يا أخي عندما قال: "الدين النصيحة"، من عظمها قال: "الدين النصيحة" وجعلها حقاً للمسلم، وقوله: "وإذا استنصحك فانصح له"، قال العلماء: هي للوجوب، وأما الكافر فهل له نصيحة؟ فالجواب: نعم، نصيحته بدعوته إلى الإسلام، ولو أنه استنصحك فلا بأس أن تنصح له بما ليس فيه ضرر على المسلمين.

النصيحة تنقذ أناساً من الكوارث، وكذلك فإنها تدل الإنسان المسلم على أرشد أمره حتى في القضايا الدنيوية كالبيع والشراء والبناء ونحو ذلك، ولذلك صارت الخيانة فيها عظيمة.

إن النصيحة تنقذ المسلم، كما قال العبد الصالح لموسى لما جاء من أقصى المدينة يسعى: (يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) [سورة القصص: 20].

إن النصيحة تنقذ الإنسان من زواج فاشل، كما إذا استنصحك في أمر امرأة سيقدم على الزواج منها، وأنت تعلم أنها لا تصلح له، فإنك تنقذه بنصيحته، وكذلك ولي المرأة إذا استنصحك في حال شاب تقدم إليهم، فقد تكون النصيحة منقذة من كارثة ستحل بهذه الفتاة لو تزوجها ذلك الفاجر المتخفي الذي يخادعهم، فالنصيحة تنقذ أناساً من الكوارث، وكذلك فإنها تدل الإنسان المسلم على أرشد أمره حتى في القضايا الدنيوية كالبيع والشراء والبناء ونحو ذلك، ولذلك صارت الخيانة فيها عظيمة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه".

عباد الله، أيها المسلمون لماذا كادت النصيحة أن تختفي فيما بيننا؟ لماذا؟

لأن كثيراً من الناس قد انعكس وانقلب فهمهم للنصيحة، انعكس وانقلب وصار فهماً مغلوطاً عجيباً، إنهم صاروا يفهمون النصيحة أنها تدخل في الحريات الشخصية، النصيحة صارت عند الكثيرين تدخل مذموم في الحريات الشخصية، ولذلك صارت لا تبذل؛ لأنها تفهم على أنها تدخل فيما لا يعني الإنسان.

وكذلك صارت النصيحة مخيفة عند الكثيرين؛ لأنها تورث كلاماً من قبل المنصوح يقول الناصح: أنا في غنىً عنه، من يريد أن ينصح يقول: أنا في غنىً عنى الأذى، أنا لا أريد أن أواجه بكلام لا يسرني، ولا أريد أن يقول لي: من أنصحه: ما دخلك، ولماذا تتدخل في شأني ونحو ذلك، ضاعت النصيحة بسبب انقلاب المفهوم والخوف من الكلام الذي سيأتي من الطرف الآخر، ولما صارت القضية عندنا إرضاء الناس، ولو سخط الله عم كثير من الشر والفساد، صرنا نخاف أن نتدخل في شأن رجل على منكر، صرنا نخاف أن نوجه كلمة حق إلى إنسان في شر واقع فيه، لماذا أيها الإخوة؟ لماذا ضاعت هذه الفريضة العظيمة؟ تأملوا التقصير في ذلك.

وكذلك مما ضيع النصيحة أن بعض الناس يوجهونها بأسلوب خطأ، بأسلوب خاطئ، كأن يشهر بالمنصوح، أو أن ينصحه على الملأ ما إمكان النصيحة في السر، وهذا مما جعل القصد من الكلام يتغير عن الطريق الحق والطرف الآخر لا يتقبل؛ لأنه شهر به ونحو ذلك من الفضائح التي ينظر إليها بعين الاعتبار.

أين تكامل المجتمع المسلم؟ أين حديث "المؤمن مرآة أخيه"؟ أين الشعور بالمسؤولية في هذا الموضوع؟ ألم يأتك نبأ الصحابي الجليل جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه لما قال: "بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم" (متفق عليه).

هذه من شروط البيعة النصح لكل مسلم، عطفها على الصلاة والزكاة، وكان جرير -رضي الله عنه- يفي بما التزم به طيلة حياته، فيكثر النصح ويبذل النصيحة، فخطب مرة بالناس ثم قال: أما بعد: فإني أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- قلت: أبايعك على الإسلام فشرط عليَّ: "والنصح لك مسلم"، فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لناصح لكم، ثم استغفر ونزل. (رواه البخاري).

ومن نصحه -رضي الله عنه- أنه أرسل غلاماً له مرة ليشتري له فرساً فاشترى له فرساً بثلاثمائة درهم، فلما رأى جرير الفرس خاف أن الفرس يساوي أكثر من هذا، فذهب إلى البائع وقال: إن فرسك خير من ثلاثمائة فجعل يزيده حتى أعطاه ثمانمائة. النصيحة بذلها المشتري للبائع، خاف أن يبخسه حقه.

أيها الإخوة، إن نصائحنا يجب أن تكون مبنية على العلم الشرعي، وعلى الدليل، فإن بعض الناس ينصح بجهل، بعض الناس ينكر بجهل، بعض الناس يقدم كلاماً غير صحيح، ليس من الدين ولا من الشريعة، من جهله أتي، فينكرون ما لا يعرفون، وينصحون بما لا يسمى نصيحةً أصلاً؛ لأن النصيحة من الخلوص، والنقاء، والصفاء، وهذا يقدم نصيحة بجهل، وكذلك يجب أن تكون بعيدة عن سوء الظن فإن كثيراً من الناس يسيء الظن بشخص، ثم يكلمه بنصيحة بناء على ذلك، وهذا الرجل بريء، وكذلك يجب أن تكون متكلفة بعيدة عن التفاصح، والتعاظم، فإن أسلوب الأستاذية الذي يعمد إليه بعض الناصحين، بل أسلوب التعالي – في الحقيقة والأدق- هو الذي ينفر المنصوح.

والمنصوح إذا قدم له الحق يجب عليه أن يقبله ولو كان الأسلوب خاطئاً، انتبه معي أيها الأخ المسلم، إن المنصوح يجب عليه أن يقبل الحق ولو كان الأسلوب خاطئاً.

ولكن الناصح يجب عليه أن يتقيد بآداب الشريعة في النصيحة، فهذا يكون مؤدباً في نصحه، وهذا عليه أن يقبل الحق، ولا يركبنه الشيطان، أي المنصوح، فيقول: وبخني فلن أستجيب، فهذه من إبليس، ولا شك أنها طريقة من طرائقه.

أيها المسلمون، أيها الإخوة، إذا كان أعداء الله تعالى قد استغلوا مسألة الاستشارات في تقديم نصائح باطلة، دخلوا من باب الاستشارات فقدموا نصائح سيئة جداً، فما بالك بأهل الإيمان ماذا يجب عليهم أن يفعلوا؟

إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في غاية الكرم وحسن الكلام عندما قال لمعاوية بن الحكم الذي تكلم في صلاته: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"، قال معاوية: والله ما كهرني أي: ما نهرني، ولا ضربني، ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس"، وهكذا فعل عليه الصلاة والسلام في قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، وراعى درء المفسدة الأعظم الكبيرة، ولذلك فإننا عندما نتذكر قول الله تعالى: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [سورة طـه: 44]، أن البداية هي باللين، ليس الشدة هي البداية، لكن إن أعرض فعند ذلك يكون التخويف.

تأمل في أسلوب موسى عليه السلام، في البداية في غاية اللين، (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا)، ولكن لما تمرد فرعون وطغى وتجبر، قال: (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا) [سورة الإسراء: 102]، أي: هالكاً، فكانت هذه هي النهاية، تبدأ إذن النصيحة باللين، فإذا تمرد المنصوح انتقل الناصح إلى التهديد بعذاب الله تعالى، وهكذا هي السياسة الحكيمة في النصيحة، وهكذا يكون التدرج فيها.

عباد الله، إن هناك فرقاً كبيراً بين النصيحة والتأنيب، بين النصيحة والتوبيخ، يقول ابن القيم رحمه الله في الفرق بين هذه وهذه: إن النصيحة إحسان إلى المنصوح بصورة الرحمة له، والشفقة عليه، والغيرة له وعليه، فهو إحسان محض يصدر عن رحمة، ورقة، ومراد الناصح بها، وجه الله ورضاه، والإحسان إلى خلقه، فيتلطف في بذلها غاية التلطف، ويحتمل أذى المنصوح ولائمته، ويعامله معاملة الطبيب العالم المشفق للمريض المشبع مرضاً، وهو يحتمل سوء خلقه، وشراسته، ونفرته، ويتلطف في وصول الدواء إليه بكل ممكن، فهذا شأن الناصح.

وأما المؤنِّب فهو رجل قصده التعيير والإهانة، إذن من أول الفروق بين النصيحة والتوبيخ القصد، ما هو القصد، فالمؤنب يقصد التعيير والإهانة وذم من أنبه وشتمه في صورة النصح، فهو يقول: يا فاعل كذا وكذا، يا مستحقاً للذم والإهانة، في صورة ناصح مشفق، لكن في الحقيقة، مؤنب وموبخ. وعلامة هذا -لأن هناك التباساً في الموضوع- أنه أي هذا المؤنب الموبخ وليس بالناصح إذا رأى عاصياً يحبه لم يتعرض له ولم يقل له شيئاً، بل طلب له المعاذير، فإن غلب قال: الإنسان عرضة للخطأ، ومحاسنه أكثر من مساوئه، والله غفور رحيم، ونحو ذلك، فيا عجباً كيف كان هذا لمن يحبه دون من يبغضه، فإذن المؤنب الموبخ تختلف مواقفه عندما يرى أشخاصاً مختلفين على نفس الخطأ، فيلتمس الأعذار لمن يحبهم، ويؤنب ويوبخ من يكرههم.

أما الناصح فإنه ينصح الجميع؛ لأن المنكر بالنسبة له واحد ما دام منكراً، إذن فلا بد أن يكون هناك إنكار وأن يكون هناك نصيحة.

أيها المسلمون، إن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمنا بأن الإنسان إذا تاب أو أقيم عليه الحد فلا يجوز أن يوبخ، فقال: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرب"، لا يعيِّر ولا يوبخها بذنبها ما دام الحد تطهير فما هو الدافع والحاجة للتوبيخ إذن، إننا ينبغي علينا أيها الإخوة أن نكون بغاية الحكمة عندما ننصح، وأن يكون المنطلق هو رحمة الخلق، وإقامة الحق، وإرضاء الله عز وجل، وتغيير المنكر، والحرص على مصلحة إخواننا المسلمين.

نسأل الله عز وجل أن يهدينا لأرشد أمرنا، وأن يرينا الحق حقاً ،ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً رسول الله البشير والنذير والسراج المنير، أنقذنا الله به من الضلالة وبصرنا به من العماية، فتح الله به قلوباً غلفاً، وأعيناً عمياً، وآذاناً صماً، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله، أيها المسلمون، ونحن قادمون على موسم عظيم من مواسم العبادة يجب علينا أن ننظر في حال أنفسنا لنصحح المسيرة، وأن نصطلح مع الله تعالى فإذا كنا انتهكنا من الحرمات، وخالفنا الأوامر، وعصينا، وتمردنا على شرعه عز وجل فإننا يجب أن نعود إليه، وأن نترك العصيان ونأخذ بالطاعات، وأن ننصح لله ولرسوله، وأن نقوم بالواجب تجاه إخواننا المسلمين.

إن القلوب إذا صادفت نية صالحة تأثرت، وإن إرادة الخير من الناصح تؤثر ولو بعد حين، وربما صدك المنصوح صداً عنيفاً وقال لك كلاماً مقذعاً مؤذياً، ولكن ربما لا تزال كلماتك تدوي في أذنه فينفتح قلبه بعد وقت يمر، وإذا زال تأثير موقف النصيحة الذي يراه اعتداء شخصياً رجع إلى نفسه، فتدبر في كلامك، ولذلك أيها الإخوة إن اللطف في الأسلوب أمر مهم للغاية، لما عطس رجل عند ابن المبارك ومن حوله الناس ولم يحمد الله قال له ابن المبارك: ماذا يقول الرجل إذا عطس؟ فقال الرجل: يقول: الحمد لله، فقال ابن المبارك: يرحمك الله.

أيها المسلمون، إن خلط بعض الناس بين النصيحة والغيبة من الأمور التي أدت بهم إلى ترك النصيحة، إن القصد ما دام طيباً، وإن الإنسان المسلم إذا كان يرى بأن أخاه قد أقدم أو يقدم على أمر خطير فإنه لا بد أن يتقدم للتبيين والتحذير، وإذا طلبت منه النصيحة يتأكد عليه ذلك، ولا تعتبر غيبة في حقه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لما جاءته فاطمة بنت قيس تستشيره في نكاح معاوية وأبي جهم، فقال: "أما معاوية فصعلوك" أي: فقير، وربما هي لا تقدر على العيش معه على فقره، "وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، إما أنه ضراب للنساء، أو أنه كثير الأسفار، ولا تتحمل هي ذلك، فقد يقول قائل: أليس هذا ذكر لهما بما يكرهان؟ فالجواب: نعم، بلى، ولكن لما كانت نصيحة ساغ قولها، بل وجب تقديمها.

إذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربة إلى الله ومن جملة الحسنات، وإذا كانت غيبة مغلفة بقالب نصيحة، وقصد المتكلم أن يذم الآخر ويمزق عرضه ويتفكه بلحمه فإنها غيبة ولو أخذت قالب النصيحة وشكل النصيحة وهيأتها.

فإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربة إلى الله ومن جملة الحسنات، وإذا كانت غيبة مغلفة بقالب نصيحة، وقصد المتكلم أن يذم الآخر ويمزق عرضه ويتفكه بلحمه فإنها غيبة ولو أخذت قالب النصيحة وشكل النصيحة وهيأتها.

ثم أننا ينبغي علينا أن ندخل المدخل الجيد فنثني على المنصوح بالخير الذي فيه، ثم نقدم له النصيحة، ونحذره من الشر الذي وقع فيه، ونستخدم عبارات الاستمالة، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد فعل ذلك، وأنت إذا قلت للمنصوح: إني قائل لك كلاماً وظني بك أنك ستتدبر فيه وتفكر وتتأمل، وأنك ستنقاد إلى الحق، وأنك لن ترد كلامي إذا كان صحيحاً، ونحو ذلك من أنواع التقديم المهمة قبل النصيحة، فإن هذا أحرى بأن يستجاب للناصح.

وإن معرفة الناس في مراتبهم، وطبقاتهم مهم في المسألة، فليس نصح الصغير كنصح الكبير، وهكذا.

أيها الإخوة أيها المسلمون: إن التبيين والتوضيح، توضيح القصد الحسن، وأن الناصح حريص على مصلحة المنصوح، وأنه يريد الخير له، إن التصريح بذلك من الحكمة فإن الشيطان يأتي إلى المنصوح فيقول له: هذا قصده أن يلومك ويوبخك، وهذا قصده أن يعنفك ويشهر بك، وهذا قصده أن يظهر أنه كامل وأنت ناقص، ونحو ذلك، فإذا قال الناصح: يا أخي سأنصحك في شيء أنا فيه من المقصرين، وأنت حري بك إن شاء الله أن تقبل كلامي، وأن تحمله على المحمل الصحيح، وأن يكون ذلك بمفرده ما أمكن، وعلى جنب كما يقولون، فإنها إن شاء الله من الوسائل العظيمة التي تقود إلى التقبل.

اثنان من الظالمين رجل قدمت له نصيحة لله فرفضها، ورجل أفسح له في مكان ضيق فتربع فيه، كما جاء عن بعض السلف؛ ولذلك فإن المنصوحين عليهم واجب عظيم في التجرد لله تعالى، وترك ما ينفخ الشيطان فيهم، والظنون السيئة التي يلقيها في نفوسهم عن الناصحين، وأن ينقادوا للحق.

أيها الإخوة، إن الانقياد للحق صفة عظيمة جداً، إن النبي -صلى الله عليه وسلم- عرف لنا الكبر بأنه "بطر الحق وغمط الناس"، بطر الحق: أي رفض الحق، وهذا لا يمكن أن يدخل صاحبه الجنة، "من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر".

فيا أيها المنصوح تأمل في الخير العظيم الذي يكون لك في الاستجابة، واعذر أخاك الناصح إذا أخطأ في الأسلوب، ولا تنظر إلى الأسلوب بقدر ما تنظر إلى حقيقة الأمر، وهذه مشكلة كثير من المنصوحين، يدققون في أسلوب النصيحة ما لا يدققون في حقيقتها وجوهرها ومضمونها. سبحان الله يذهب إلى الشيء الأقل أهميةً فيجعله هو الأساس ثم بعد ذلك إذا تبقى وقت فكر بالمضمون، وهذا من حيل إبليس أيها الإخوة، يجب أن نفكر بحقيقة الأمر ومضمونه ولو كان الأسلوب خاطئاً، وأن ننقاد ونشكر الناصح، ورب نصيحة أنقذت من جهنم، ورب نصيحة أصلحت حال إنسان سنين عديدة، ولذلك فإن المؤمن رائده الحق يهفو إليه ويتطلع إليه دائماً وأبداً.

إننا ينبغي علينا أن لا نضيع هذه الفريضة العظيمة، وأن لا نعتبرها تدخلاً في الحريات الشخصية؛ لأن مبدأ الحريات الشخصية قد نفخ فيه الشيطان في هذا الزمان، فصار الكفر يرتكب باسم الحريات الشخصية، ويصرح به باسم الحريات الشخصية، وترد النصائح لأنها انتهاك للحريات الشخصية، وهكذا وهكذا صارت قضية الحريات الشخصية صنماً يعبد من دون الله.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن ينقادون إلى الحق، اللهم ارزقنا فعل الخيرات، وترك المنكرات وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين.

اللهم انصر إخواننا المجاهدين، وارفع الظلم عن المظلومين، اللهم أنج المستضعفين في بلاد الشيشان، وفي كشمير، وفلسطين، وغيرها من أقطار الأرض يا رب العالمين، اللهم أطعم جائعهم، واحمل حافيهم، واكس عاريهم، اللهم إنهم مظلومون فانصرهم، اللهم انصرهم على من بغى عليهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين، اللهم أذل الروس النصارى واجعلها عليهم ناراً ودماراً، اللهم زلزل بهم الأرض من تحتهم، وأنزل عليهم عذاباً من فوقهم، وائتهم من حيث لا يحتسبون، اللهم خالف بين كلمة اليهود والنصارى والكافرين، اللهم فرق بين قلوبهم وشتت شملهم، واجعل دائرة السوء عليهم، وأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.