المادة

ولا تبخسوا الناس أشياءهم

 محمد صالح المنجد

عناصر الخطبة
1/ الأمر بإيفاء الحقوق وإيصالها إلى أصحابها 2/ المقصود بالبخس وبعض صور البخس 3/ حث الشريعة على الوفاء والكمال 4/ التحذير من البخس 5/ بعض آثار البخس وأضراره 6/ الورع والإنصاف يحمي من بخس الحقوق 7/ تنبيه وتعليق على تمثال اليسوع ونزول عيسى -عليه السلام-

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن خير الحديث كتاب الله، وأفضل الهدى هدى رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: لقد أمر ربنا -سبحانه وتعالى- بإيفاء الحقوق وإيصالها إلى أصحابها، وتكميلها وإتمامها، وحذرنا من بخسها ونقصها، وغمط أهلها، وهذا من أُسس دعوات الأنبياء، وقد قال شعيب -عليه السلام- لقومه: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) [الأعراف: 85] بعد أن أمرهم بالتوحيد، ونهاهم عن الشرك فقال: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)[الأعراف: 85]، وأنذرهم بإرساله إليهم فقال: (قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) [الأعراف: 85]، وأمرهم بإكمال الحق فقال: (فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ) [الأعراف: 85]، ونهاهم عن النقص فقال: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) [الأعراف: 85].

وهكذا فإن قضية إعطاء الحقوق، وتكميلها؛ هي من أسس دعوات الأنبياء، وقد جاءت في القرآن بأسلوب النهي عن الإنقاص، فقال -تعالى-: (وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ) [هود: 84]، وجاءت بأسلوب الأمر بالتوفية والإتمام: (فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ) [الأعراف: 85]، وفي آية أخرى: (أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) [هود: 85]، وهذا لتمكُّن جريمة التطفيف في مجتمعهم.

والبخس هو الإنقاص على سبيل الظلم والتعييب، أو التزهيد، أو المخادعة عن القيمة، أو الاحتيال في التزيُّد في الكيل والنقصان منه.

وقوله تعالى: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) [الأعراف: 85] تشمل الأشياء المادية والمعنوية وليست مقصورة على البيع والشراء فقط، بل تدخل فيها الأعمال والتصرفات، وكذلك تقييم مجهودات الناس، ومعرفة منازلهم، وإنزالهم إياها.

والبخس يشمل النقص والعيب في كل شيء، فهو يشمل بخس الحق، وبخس المال، وبخس العلم، وبخس الفضل، ويشمل أيضاً المساومة والغش والحيَل التي تُنتقص بها الحقوق، ومنه بخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل.

وصور بخس الحقوق في زماننا كثيرة، وهي من أسباب المحق، وزوال البركة.

فيأتي على رأس جرائم البخس: بخس الله -تعالى- حقه، فإن المشركين الذين يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ويشركون معه غيره، ويزعمون له الولد كقول اليهود: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ) [التوبة: 30]، وكقول النصارى: (الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ) [التوبة: 30]، وكقول من قال من المشركين: الملائكة بنات الله، وسبّ اليهود لله بقولهم: (إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) [آل عمران: 181]، وقولهم: (يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ) [المائدة: 64] كل هذا من بخس الله حقه.

ومن ذلك أيضاً ما يفعله أهل الإلحاد في أسمائه من تعطيلها وجحدها، وصرفها عن معانيها التي أنزلها الله -عز وجل- عليها، ومن بخس الرب -سبحانه وتعالى- نسبة النعم إلى غيره.

ويعتبر بخس حق الأنبياء من بخس حق الله -تعالى-؛ لأنه هو الذي أرسلهم، وسواء كان بخسهم بمحاربتهم، أو جحد رسالتهم، وإلصاق التهم الكاذبة بهم كما قالت قريش عن نبينا -صلى الله عليه وسلمَ-: ساحر، كاهن، كذاب، مجنون، به جِنَّة، ركبته الجنّ، ونحو ذلك كما قال تعالى: (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) [الأنعام: 26].

ومن ذلك أذيتهم للنبي -صلى الله عليه وسلمَ- حسياً كخنقه وضربه، ووضع سلا الجزور على ظهره وبين كتفيه، قال تعالى: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون) [يس: 30].

وبخس حق الصحابة من بخس حق محمد -صلى الله عليه وسلمَ-؛ لأنهم نصروه، واختارهم الله لصحبته، فسبُّهم وشتهم، وعيبهم وإلصاق التهم الباطلة بهم كما فعل الضُّلَّال الفجرة الكفرة الذين بخسوا التسعة حقهم، وافتروا عليهم أنهم كتموا النص على أن العاشر منهم خليفة، وكذلك رموا عائشة بما برأها الله منه، فويل لهم مما كسبت ألسنتهم وأيديهم.

وبخس العلماء من أفعال المنافقين خصوصاً في هذه الأيام برميهم بأبشع التهم، وأنهم متحجرون ومنغلقون، ورجعيون، وأغبياء، ووصمهم بأنهم علماء الحيض والنفاس، ونحو ذلك؛ فهذا مما يحشده مكرُ المنافقين حول أهل العلم، ويسطرون به المقالات: (فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ) [البقرة: 79].

ومن بخس العلماء: أن يظن الشخص العادي أن بإمكانه أن يفتي كما يفتون، ويفهم كما يفهمون، ويستنبط كما يستنبطون، فيقول: هم رجال ونحن رجال! والله -عز وجل- قد اصطفى العلماء فجعلهم ورثة الأنبياء، وجعل حيتان البحر وكذلك النمل في جحورها (من أكبر مخلوقاته إلى أصغرها) يثنون على العلماء، وهؤلاء المنافقين يطعنون فيهم، فصارت الدواب واللهِ خير منهم.

ومن بخس العالم: الزهد فيه، وفي علمه، وعدم إتيانه، وترك استفتائه، وهم يرحلون ويموتون، وبعض الناس لا يعرفون أن في الأمة فلاناً إلا عند موته، فما أشدَّ تقصير هذه الأمة في حق علمائها، وما أشد ما بخستهم حقهم، ولو سألت مراهقاً عن أسماء عشرة لاعبين للكرة لأعطاك أسماء ثلاثين، ولو سألته عن أسماء عشرة من العلماء ما أعطاك خمسة! قال أبو حنيفة: "ربما ذهبت بأمي إلى مجلس عمر بن ذر، وربما أمرتني أن اسأله عن مسألة، فآتيه وأقول له: إن أمي أمرتني أن أسألك عن كذا، فيقول: أنت تسألني عن هذا؟ (يعني أنت أعلم مني) فأقول: هي أمرتني، فيقول لي: كيف الجواب حتى أخبرك؟ فأخبره بالجواب، فيخبرني به، فآتي أمي فأخبرها إياه!"

ومن بخس الدين: أن يبخس حقِّ دعاته، وطلاب العلم فيه، فلا ينزلون منازلهم، وهذا هو الواقع اليوم حيث تشن الهجمات عليهم، ثم يعظَّم ويُكبَّر، ويُفخَّم ويُضخَّم الرويبضاتُ التافهون من الممثلين، وكُتَّاب قلة الأدب في الروايات المستبشعة، وقد أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن من أشراط الساعة أن ينطق الرويبضة، وعرَّفه بأنه الرجل التافه الفويسق يتكلم في أمر العامة، ولذلك تجد الواحد منهم اليوم تفرد له حلقات في القنوات، وتفسح له المجالات في المقالات للكتابات التافهات.

ومن صور البخس: عدم نسبة الفضل إلى أهله؛ كأن يسرق الشخص جهود الآخرين وينسبها إلى نفسه، والله يقول: (لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ) [آل عمران: 188].

ومن البخس: هضم الحقوق المعنوية والفكرية بالاعتداء على محفوظات أهلها الذين حفظوها لأنفسهم، ونسخ محتوياتها، وقد أفتى أهل العلم المعاصرين بحفظ حقوق الملكية الفكرية، وأن ما حصل من اختراع أو ابتكار، أو تأليف أو جمع على نحوٍ غير مسبوق؛ فإن حقوقه محفوظة لصاحبه لا يجوز الاعتداء عليها.

ومن بخس الحقوق: نكران فضل الغير ومعروفه؛ خصوصاً عند الخصومة، ومعلوم أن من بالغ في الخصومة أثم، والخصومة بالباطل تؤدي إلى كشف الأستار، وبخس حق الصحبة، والتشهير بالكذب.

ومن بخس حق الأخوة: أن يخطب الإنسان على خطبة أخيه، أو أن يشتري على شرائه، أو يبيع على بيعه، أو يسوم على سومه.

ومن البخس المتفشي في زماننا: بخس الزوجةِ حقَّ زوجها، وبخس الزوج حق زوجته، وقد سماه النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في حق الزوجة: كفران العشير، فقال صلى الله عليه وسلمَ: "أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء، يكفرن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط" (رواه البخاري)، فالإصرار على هذا الكفران من أسباب دخول النار، وفي الحديث: "لا ينظر الله إلى امرأة لا تشكر لزوجها وهي لا تستغني عنه" (حديث صحيح) ومن بخس حقه كتمان خيره، وإذاعة ما بدر منه من شر.

ويوجد من النساء من تبخس حق زوجها، وتستطيل عليه؛ لأنها أنجبت له ذكوراً، وتقول: بخيل ظالم أذاقني الأمرَّين (وهو محسن إليها)، وهذا وإن كان في الظاهر نقص عليه؛ لكن في الحقيقة يقلبه الله إلى ذيوع خير بعد ذلك، حيث إن كثيراً من الافتراءات تظهر، ويبطلها الله بعد حين، ويُظهِر فضل أهلها.

عجبت لمن تعمد بخس حقي *** ونبهني على طيب الخمول

فعلمني به إعزاز نفسي *** نوى قصري به فازداد طولي

والخمول هنا هو خمول الذكر (أي الابتعاد عن الشهرة).

فأين هذه الزوجة من تلك التي كانت تقول: زوجي عوني في الشدائد، وعائدي دون كل عائد (يعني يصلني أكثر من أي شخص آخر) إذا غضب لطف، وإذا مرضت عطف، وأين هي من قول الأخرى: إذا دخل الدار دخل ضحّاكاً، فإذا خرج منها خرج بسّاماً؟

ومن صور البخس في المقابل: بخس الزوج لحق زوجته كأن يقلل من شأن تعبها، وخدمتها، ورعايتها له ولأبنائه؛ كي لا تطلب منه شيئاً؛ تقول إحداهن: اشتريت له سيارة جديدة للنقل، وأخذ مني عشرين ألفاً لإصلاح الشقة، وشاركته سداد الفواتير والمصروفات، ثم اكتشفت أنه تزوج بالعشرين ألفاً امرأة أخرى، وينفق من الراتب الذي يتقاضاه على التوصيل عليها!

وأقول: ينبغي على الزوج إذا أخذ من زوجته مالاً ألا يستعمله في نكاحه عليها؛ لأن في ذلك إغاظة لها أيَّما إغاظة، لكن لو تزوج بماله هو فلا عيب ولا حرام.

أين هؤلاء الأزواج من أحمد -رحمه الله- الذي يقول: أقامت معي زوجتي (أمُّ صالح) ثلاثين سنة فما اختلفت أنا وهي في كلمة، وقول القاضي شريح عن امرأته: مكثت معي عشرين سنة لم أعتب عليها في شيء إلا مرَّة واحدة، وكنت لها ظالماً.

ومن البخس للزوجات: أن يميل إلى زوجة على حساب الأخرى أو الأخريات فلا يعدل بينهن في النفقة والسكنى والمبيت، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من كان له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة أحد شقيه مائل"، وفي رواية: "وشقه ساقط" والميل الممنوع هنا هو: ميل غير القلب؛ لأن ميل القلب يُعذر فيه إذا لم يؤدِّ إلى تركها كالمعلقة؛ تقول إحداهن: أصيب زوجي بفشل كلوي، وتقاعد عن العمل، ويئس من الحياة، وفجأة رأى بصيص أمل بتبرعي له بإحدى كليتيَّ، ونجحت العملية بعد المطابقات، وبعد مدة وجيزة تزوج بأخرى؛ فشعرت بألم، لكن الذي وقع عليَّ وقوع الصاعقة أن زوجته الثانية اشترطت عليه طلاقي لبقائها معه، وفعلاً أعطاني ورقتي.. فأنا أعطيته كليتي وهو سلمني ورقة طلاقي! فهل هكذا يكون الجزاء، والله يقول: (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]؟ ثم إن اشتراط امرأة طلاق الأخرى حرام لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها (يعني ضرتها) لتستفرغ صحفتها، فإن لها ما قُدر لها" (رواه البخاري ومسلم)، فهذه حظوظ الدنيا يقسمها الله -تعالى-، ولا يجوز لإنسان أن يعتدي على حق آخر.

ومن البخس: أن بعضهم إذا مات أحد أقربائه كادوا لزوجته وأولادها الصغار، وحاولوا الاستيلاء على إرثهم بدراهم معدودة، وثمن بخس، وهذا مع أن بخس اليتامى من أكبر الكبائر، وويل لصاحبه من النار؛ لأن (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء: 10].

وبخس الضعيف الذي لا يستطيع المحاماة عن حقه، وبخس المستضعف الذي لا يستطيع الدفاع ولا البيان، وبخس المسكين الذي لا يستطيع أن يذهب ليقيم دعوى، أو يطالب؛ لا شك أن هذا أشنع من بخس من يستطيع المحاماة والدفاع، والكل حرام.

وإذا نظرنا إلى التعليم وجدنا بخساً مشتركاً في بعض الأحيان، فهل يكون من جزاء المعلم مثلاً السبّ أو الشتم، أو الإيذاء سواء كان في بدنه، أو سيارته، أو ثوبه، أو سمعته ونحو ذلك؟ أهكذا يكون جزاء معلم الجيل؟

ومن البخس في المقابل: بخس الطالب حقه في الدرجات، وتفضيل غيره عليه مع التساوي، فهذا حرام، وهو مناف للعدل.

وأما بخس الحقوق الوظيفية فهو داخل في قوله تعال: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) [الأعراف: 85]؛ لأن النهي في هذه الجملة العظيمة من كتاب الله شامل وعام، ويدخل في أمور وأحوال كثيرة، فبخس رب العمل لحقوق العمال، واستدراجهم لأخذ العقود، وتغييرها مع أنها قد أبرمت، والمسلمون على شروطهم، وكذلك التقليل من قيمة مجهوداتهم، والحط من أعمالهم، وعدم إيفائهم مقابل ما عملوه سواء بإنقاص عدد الساعات ظلماً، أو إعطائهم جزءاً والمماطلة في الآخر حتى يترك العامل الباقي الذي يستحقه طفشاً، ولا شك أن التطفيش من استلام الحقوق حرام، ومطل الغني ظلم، خاصة أنه بعد ذلك يقول رب العمل: العامل هو الذي ترك حقه، لكن يُقال له: بعد ماذا تركه؟ أبعد المماطلة والتطفيش تقول: هو الذي ترك حقه؟!

هذا يؤخر، وهذا يزيد الأعمال والأعباء على الوقت الذي تعاقد عليه مع العامل، ولا يعطيه مقابل ذلك، ولا يعوضه عن الإضافي، فأعطوا الأجير أجره -يا عباد الله-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1].

وفي مقابل ذلك يوجد من العمال من يبخس صاحب الشركة أو المساهمين في الشركة وهم أصحابها، وقد يكونون مليوناً من البشر، فهذا يأخذ راتباً على عمل لا يستحقه، وآخر يأتي متأخراً، ويذهب مبكراً، وهذا يتلف بعض ممتلكات الشركة إهمالاً وتضييعاً، وهذا يسرق، وآخر يبيع أسرار المؤسسة التي هو فيها إلى أخرى منافِسة، أو يحتال من الحيل ما يأخذ به أشياء من حق الشركة، أو يأخذ زبائنها وهو يعمل فيها لعمل خارجي خاص به، فيحولهم عليه، ولا شك أن هذا بخس وظلم.

ومن صور البخس: بخس البائع للمشتري والمشتري للبائع، قال الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: قد يكون البخس متعلقاً بالكمية كأن يقول المشتري: هذا النخل لا يزن أكثر من عشرة وهو يعلم أن مثله يزن اثني عشر، وقد يكون متعلقاً بصفة كأن يقول: هذا البعير شرود، وهو من الرواحل الجيدة ليس بشرود، وقد يكون طريق البخس أن يبذل ثمناً رخيصاً في شيء من شأنه أن يباع غالياً، فيُشعر البائع أن هذا لا يكاد يساوي شيئاً، فيأتي بالسيارة إلى المعرض وصاحب المعرض يقول: ما تساوي القيمة الفلانية، وهي تساويه.

ومن ذلك: أن يأتي بالذهب إلى صاحب المحل ويقول: لا يكاد يساوي إلا كذا، وهو مثله ونصف مثلاً، ومن صور ذلك أن يقول للبائع: بيتك ما يساوي إلا كذا وهو يعلم أنه يساوي أكثر من ذلك، فإذا اشتراه منه باعه بالأكثر الذي كان قبل شرائه لا يساويه، ثم يقول لأصحابه: أقنعناه أن يبيع بكذا، فالمشكلة أنهم يعتبرون هذه الصور من الاحتيال مماكسة وذكاء، والله يقول: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) [الأعراف: 85].

ومنهم من يُظهر للبائع أن في سلعته عيوباً وليس ثمة عيوب، أو يضخم العيوب ويبالغ فيها وقد قال جرير بن عبد الله -رَضي الله عنه-: "بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- على النصح لكل مسلم"، والنصح لكل مسلم معناه أن تبين له وتعطيه حقه.

يا ليتني أبيع الشيء يكسب فيه *** المشتري الربح ديناراً بعشرينا

أحب شيء إلى نفسي معاملة *** كسب العميل فنأتيه ويأتينا

عباد الله: ولما نهى الله عن البخس أمر بالإكمال وهذه قاعدة عظيمة في الشريعة؛ فإنها إذا أمرت بشيء نهت عن ضده؛ لتكتمل الصورة، ويحسن الاحتياط من الجانبين، وليكون الشيء الذي هو مراد الشارع موفوراً كاملاً، قال الله -عز وجل-: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ) [المطففين: 1-2] (أي في حقوقهم) (وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) [المطففين: 3] (أي في حق غيرهم)، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للوزان: "زِن وأرْجِح" (أي اجعل كفة الميزان راجحة لصالح المشتري)، وقال ابن عباس لأصحاب المكيال والميزان في السوق: "إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة قبلكم: الكيل، والميزان"، وكان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: "اتق الله، وأوف الكيل والوزن بالقسط، فإن المطففين يوم القيامة يوقفون حتى إن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم"، وقال عليه الصلاة والسلام: "إن التجار هم الفجار" فقال رجل: يا رسول الله ألم يحل الله البيع؟ قال: "بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون، ويحلفون فيأثمون" (رواه أحمد وهو حديث صحيح)، فهذا عن نوع معين من هؤلاء التجار الذين يفعلون هذا، والأمناء قليل ما هم.

ولقد أهلك الله -عز وجل- قوم شعيب بأمور منها التطفيف في المكيال والميزان، وبخس الناس أشياءهم، فدل ذلك على أن هذه الجريمة من الكبائر، وحين سئل مالك -رحمه الله- عن رجل جعل في مكياله زفتاً (وهي مادة ثقيلة) ليرفع به الكيل، فقال رحمه الله: "أرى أن يُعاقَبَ بإخراجه من السوق"، وهذا ما يسمى اليوم بسحب الترخيص، وعدم التجديد للسجل، فهكذا كانت فتوى مالك أن يحرم الشخص من البيع بالسوق عند اكتشاف الغش.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يؤدي حقوق الناس يا رب العالمين.

اللهم اجعلنا من الذين يتممون الحقوق ويؤدونها إلى أهلها، ولا تجعلنا من المطففين، ولا من الذين يبخسون الناس أشياءهم.

اللهم إنا نسألك العدل في أهلينا وما ولينا.

اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الغنى والفقر، ونسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الحكم العدل، أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأكبِّره تكبيراً، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، الرحمة المهداة، والبشير والنذير، قام بالعدل، وأمرنا به، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

عباد الله: ينبغي مقاومة هوى النفس عندما تدعو إلى البخس (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [الجاثية: 23].

وينبغي أن يكون العدل حتى مع الأقران والخصوم: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8].

وعندما تكون القضية شراكات فينبغي أن تحاسب النفس محاسبة خاصة، قال الله -تعالى-: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ) يعني الشركاء (لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ) [ص: 24].

وإن الحسد يدفع للبخس، وكذا الكبر والعجب بالنفس يؤديان إلى أن يغمط الإنسان حق غيره، وربما يسرق جهده وينسبه إلى نفسه، والكفر عقيدة منحرفة تدفع إلى الظلم، ومنه هذا البخس، ولذلك كان قوم شعيب بالإضافة إلى كفرهم وشركهم يبخسون الناس أشياءهم.

وبخس الناس أشياءهم ظلم يهدم المجتمع، ويشيع الهرج، ويدفع للأخذ بالحق بالقوة، فيختل الأمن، ويشيع الفساد، وتنقلب الموازين.

وفي بخس الحق خراب للبيوت، ووقوع للشتات والجرائم الاجتماعية، ويشعر بالظلم فيريد المظلوم أن ينتقم فإن لم يستطع انسحب أو انهار، وقد يموت كمداً.

فالبخس يجب أن يقاوم، ولو دعت النفس إليه فليجاهد، ومن فعل شيئاً منه فعليه أن يتوب إلى الله، ويعيد الحق إلى أهله، ويتحلل ممن أوقع به البخس، ويخاف ربه؛ فالخوف من الله هو الحامي والمانع من الوقوع في هذا، ففي قصة الإفك لما اتهم المنافقون عائشة سأل النبي -صَلى الله عليه وسلم- ضرَّتها زينب عنها، وكان بإمكان زينب أن تقول كلاماً، وتنتهز الفرصة، بل كان يمكنها على الأقل أن تؤكد أو تكرر ما يُقال على الألسن، لكنها قالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً، قالت عائشة وهي التي كانت تساميني (أي تنافسني) في المنزلة والحظوة والمكانة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، فعصمها الله بالورع!

فالورع والإنصاف مطلوب في كل شيء، حتى في الحقوق الأدبية الفكرية، وقد كان العالم إذا استفاد شيئاً من طالب علم نسبه إليه، فقد حصل لأحد العلماء أنه قال في مجلس أمام الناس: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- طلَّق وآلى وظاهر، فقال رجل ممن حضر يطلب العلم عنده: فاستنكرت قوله: "ظاهر" فانتظرت حتى قام فقمت وراءه ومعه طلاب حتى جاء بيته، فدخل الدهليز، فدخلت، فلما أوشك الطلاب على الانصراف بقيت، فقال: أنت غريب من أين أنت ألك حاجة؟ قلت: نعم، فأمر الطلاب أن ينصرفوا، وبقيت معه وحدي، فقلت: رحمك الله قلتَ: طلق النبي -صلى الله عليه وسلمَ- وآلى وظاهر، وكونه طلق نعم، وآلى نعم (والإيلاء يكون بالحلف تأديباً) أما ظاهَر فإنه لم يظاهر؛ فالله قد وصف الظهار بأنه منكر من القول وزور: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) [المجادلة: 2] ونبي الله معصوم عن ذلك لم يفعل هذا! قال: فأطرق ثم قبَّل رأسي، وقال: أنت معلمي وتلميذي، أحضر غداً، فجئت فوجدته قد سبقني إلى المنصَّة في الجامع، واجتمع الناس عنده وهو يحدثهم؛ فلما دخلت من الباب قال: مرحباً بأستاذي ومعلميّ، أفسحوا له، فتقاذفني الناس يحملوني حملاً حتى صرت أمامه، وأنا لا أدري أين أنا من هول المفاجأة، فقبَّل رأسي، وقال: قد قلت في الدرس كذا وكذا؛ فصَّوبني وقال: كذا وكذا، وأنا أرجع إلى الحق صاغراً.

عباد الله: إن الاعتراف بالحق لأهله مطلوب، وإنصاف الناس واجب حتى لو كان بينك وبينهم شيء، قال تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ) [المائدة: 8]، وقد مرَّ أمير المؤمنين بشيخ كبير من أهل الذمة وهو على أبواب الناس يسأل، فقال عمر: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك في كبرك، فأجرى عليه من بيت المال ما يصلحه.

ولما سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن يزيد بن معاوية قال: "لا نسبُّه ولا نُحبُّه، فإنه لم يكن رجلاً صالحاً فنحبُّه، ونحن لا نسبُّ أحداً من المسلمين بعينه"، فإنزال الناس منازلهم مطلوب، ويحمي من البخس، وهكذا فإن التفكر في آيات الله يقود إلى العمل بها قال تعالى: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) [الرحمن: 7-9]، وهذا عام في كل شيء.

فاحذروا البخس -يا عباد الله-، واعلموا أن من أعظم البخس أن يبيع الإنسان آخرته بشيء من الدنيا، فيبيع الباقي بالفاني، ومن بُخِس فلينتظر فرج الله فإن الله ينتقم للمظلوم، فيوسف: (شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) [يوسف: 20] فصيَّره الله وزيراً وحاكماً وسيِّداً عليهم جميعاً.

عباد الله: وقد نقلت الأخبار في اليومين الماضيين شيئاً لفت النظر، ونص الخبر: "تعرض تمثال اليسوع قرب كنيسة الصخرة العظيمة في مدينة مونورو (إحدى مدن مدينة أوهايو) إلى صاعقة من السماء أتت به إلى القواعد، ولم يتبقَ من التمثال سوى قطع من العوازل الحرارية، وأجزاء من المعادن، ورغوة احتراق، وبقايا جبس مصهور، ويعود أصل هذا التمثال إلى كنيسة الصخرة العظيمة الإنجيلية في الولاية المذكورة التي تقع على مقربة من التمثال، وهذا التمثال واحد من أهم معالم جنوب غرب ولاية أوهايو؛ إذ يقع على طول الطريق السريع، وقام بعض الناس يلتقطون بقايا التمثال للتبرك..".

وهذا تمثال عظيم كان ارتفاعه اثنين وستين قدماً، وعليه صليب كبير، أتت صاعقة من السماء فأحرقته ولم تمسّ شيئاً مما حوله؛ أي ضربته الصاعقة فقط فجعلته أثراً بعد عين، وهذا -يا عباد الله- يذكرنا بنزول عيسى -عليه السلام- آخر الزمان، حيث سينزل ابن مريم حكماً عدلاً مقسطاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ولا يقبل الجزية، ويحكم بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلمَ-، ويملأ الأرض عدلاً، ولا يبقى في الأرض كافر في عهد عيسى -عليه السلام- اضطراراً، إذ حتى لو لم يختاروا الإسلام فإنهم سيدخلون فيه مضطرين.

وإن إنزال الله لعيسى دون غيره سيكون إذلالاً لليهود الذين كفروا به، ودحضاً لشبه النصارى الذين غلوا فيه.

نزلت صاعقة من السماء فضربت هذا التمثال المنسوب إلى عيسى ظلماً؛ فهو تمثال يسوع الرب عندهم، وابن الله، وثالث ثلاثة كما زعموا؛ فأحرقته ولم تبقِ منه شيئاً، ونزول الصاعقة يُذكِّر بنزول عيسى بن مريم كي يكسر الصليب، ويتلف صلبان العالم كما نزلت هذه الصاعقة من السماء وأتلفت هذا التمثال المزعوم، وأحرقت صليب التمثال الضخم.

فماذا -يا ترى- سيكون شعور نصارى العالم عندما ينزل عيسى -عليه السلام- وهم ينتظرون نزوله ومجيئه، ويقولون: عودة يسوع المخلِّص، فإذا جاءهم عيسى -عليه السلام- وليس هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة، وإنما ينزل بين جناحي ملكين عبداً رسولاً بشراً يحكم بشريعة محمد -صلى الله عليه وسلمَ-، ويرى النصارى بأم أعينهم الرجل الذي كانوا يعظمونه ويقدسونه ويؤلهونه؛ يكسر صليبهم، ولا يقبل منهم إلا الإسلام، ومن لم يسلم منهم يُقتل فما هو شعورهم يومئذٍ؟

سيُحبطون غاية الإحباط؛ لأن هذا الرجل الذي غلوا فيه؛ ها هو ينزل فيحكم فيهم بشرع محمد -صلى الله عليه وسلمَ-.

ونزول عيسى في آخر الزمان مجمع عليه يعني متواتر، قال الله -تعالى-: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) [النساء: 159] وهو لم يمت، قال الله: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ) [النساء: 157]، بل رفعه الله إليه وسينزل، قال الله -تعالى-: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ) [الزخرف: 61]، وفي قراءة: (وإنه لعَلَم للساعة) فينزل ضمن شروط الساعة الكبرى.

اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين.

اللهم آمنا، وأصلح ذات بيننا، وارزقنا وتب علينا.

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 180 – 182].