جديد الموقع
11 الحمل والوضع ومايتعلق بهما => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 12 الحمل والوضع ومايتعلق بهما => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 13 إحسان التسمية => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 14 الحمل والوضع ومايتعلق بهما => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 15 الحمل والوضع ومايتعلق بهما 06 => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 16 الحمل والوضع ومايتعلق بهما 07 => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 17 من دعى لغير أبيه => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 18 تابع من دعى لغير أبيه => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 19 الحضانة الأحق بالحضانة => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ? 20 مقدار الرضاعة المحرمة => الأسرة المسلمة - المجد للحديث النبوي ?

تغريدات

إعلانات

عدد الزوار

الاحصائيات
لهذا اليوم : 106
بالامس : 4419
لهذا الأسبوع : 106
لهذا الشهر : 99647
لهذه السنة : 850145
منذ البدء : 1304517
تاريخ بدء الإحصائيات : 12-10-2011

المتواجدون

انت الزائر :1812305
يتصفح الموقع حالياً : 67
مدة بقاء المتواجدون : 1 ثانية


المادة

من يهود بني قريظة إلى يهود اليوم

 محمد صالح المنجد

عناصر الخطبة
1/ أمر الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بالخروج إلى بني قريظة 2/ موكب الملائكة للمشاركة في الغزو 3/ حصار اليهود عاملاً أساسياً في النصر عليهم 4/ حكم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة 5/ حكم كشف العورة للضرورة، وحكم قتل النساء 6/ وفاة سعد بن معاذ –رضي الله عنه-.

الخطبة الأولى:

الحمد لله…

فإننا أمة موصول آخرها بأولها، ونأخذ من تاريخنا الماضي لتاريخنا الحاضر، وفي ظروف حربنا مع اليهود هذه الأيام.

إننا أمة موصول آخرها بأولها، ونأخذ من تاريخنا الماضي لتاريخنا الحاضر، وفي ظروف حربنا مع اليهود هذه الأيام.

فإننا نتلفت إلى ماضي هذه الأمة في حرب أولها مع هؤلاء الأعداء، فنجد في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- معارك مع هؤلاء الأعداء التاريخين لنا، اليهود -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة- نجد غزواتٍ متعددة، ومعارك إسلامية مظفرة كانت ضد هؤلاء الأعداء.

ومن ذلك المعركة الشهيرة: معركة بنو قريظة، وغزوة بني قريظة، التي كانت بعد غزوة الخندق مباشرة، وكان من الحسنات العظيمة لذلك الجيل الأول أن طاعاته متوالية، يخرج من غزوة ليدخل في أخرى، وينهي حسنة ليبدأ بأخرى، لم تكد توجد لديهم فرصة للمعصية وهم مشغولون بأنواع الطاعات التي تتوالى بأقدار الله -عز وجل-، ولما كانت نهاية غزوة الأحزاب بعد سهر طويل، وعمل مجهد مضني في حفر الخندق، ثم في حراسته والتصدي لأعداء الله المتحزبين والمجتمعين، بعد هذا الجهد الطويل، والتعب المضني رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل من أثر التراب والمعركة، أتاه جبريل -عليه السلام- فقال: "قد وضعت السلاح والله ما وضعناه فاخرج إليهم"، فللملائكة سلاح تقاتل به أيضاً، وتكون مع المؤمنين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فإلى أين؟"، قال: "هاهنا"، وأشار إلى قريظة، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم، كما في البخاري..

وحدثنا كعب بن مالك -رضي الله عنه- قال: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما رجع من طلب الأحزاب رجع فوضع لأمته، وذلك الدرع الذي كان يأخذ به النبي -صلى الله عليه وسلم- من ضمن ما يأخذ في الأسباب الشرعية التي هي من التوكل على الله -تعالى-، فنزل جبريل -عليه السلام- فقال: "عذيرك من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة وما وضعناها بعد".

فوثب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فزعاً، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فلبسوا السلاح، وخرجوا فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، واختصم الناس في صلاة العصر، فقال بعضهم: صلوا فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يرد أن تتركوا الصلاة، وقال بعضهم: عزم علينا ألا نصلي حتى نأتي بني قريظة، وإنما نحن في عزيمة رسول -صلى الله عليه وسلم- فليس علينا إثم، فصلت طائفة العصر إيماناً واحتسابا، وطائفة لم يصلوا حتى نزلوا بني قريظة بعدما غربت الشمس فصلوها إيماناً واحتسابا، فلم يعنف الرسول -صلى الله عليه وسلم- واحدة من الطائفتين.

ولما نزلت صلاة الخوف بعد ذلك كان فيها سَعة للمسلمين، وصار الحكم الشرعي أن الصلاة لا تخرج عن وقتها أبداً، وأن المقاتل يصلي على حسب حاله، ولو كان يطارد العدو يصلي وهو على فرسه، ولو كان إلى غير القبلة، ولا يترك الصلاة.

لقد كانت تلك الموقعة بمشاركة من جبريل -عليه السلام-، وهو عظيم الملائكة، ورئيسهم ومقدمهم، وأفضلهم، وأعظمهم عند الله -تعالى-، وأحبهم إليه، فيقول أنس ابن مالك -رضي الله عنه-: "كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً، حتى الغبار يلمع، كأني أنظر إلى الغبار ساطعاً في زقاق بني غِنمٍ موكب جبريل حين سار -صلى الله عليه وسلم- إلى بني قريظة" (رواه البخاري).

فحتى المكان الذي عبر منه موكب جبريل المجاهد إلى المعركة كان واضحاً لدى صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرأوا أثر ذلك الموكب الملائكي المتجه لحرب اليهود، المؤمنون إنساً والملائكة متجهون إلى حرب إخوان القردة والخنازير.

وكان سبب تلك الغزوة كما جاء في مرسل سعيد ابن المسيب، وهو أصح المراسيل، وله طرق تعضده في غزوة الأحزاب، أن نعيم بن مسعود الأشجعي كان موادعاً للفريقين، فنقل إلى المسلمين خبراً يقول فيه: إني كنت عند عيينة ابن حصن -قبل أن يسلم- وأبي سفيان -وهو في عسكر المشركين- إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا يا أيها الأحزاب المجتمعون حول المدينة، أن اثبتوا فإننا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم.

وكان ذلك خرقاً واضحاً للمعاهدة التي عقدها النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم أول ما قدم المدينة: على أنه لا خيانة، ولا إغلال، ولا إسلال، فإذا بهؤلاء اليهود ينقضون العهد، ويريدون أن يقفوا مع أعداء المسلمين المحاصرين للمدينة، وأن يساندوهم، وأن يختلسوا إلى سلاح المسلمين، وأن يكونوا عسكراً خلفياً يطعن في ظهور المسلمين، وعندما حصلت هذه الخيانة كانت السبب في مسير النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم الذي جاءهم يقول: يا إخوة القردة والخنازير.

وهؤلاء اليهود اليوم هم من سلالة أولئك اليهود بالأمس، منهجهم واحد، وطريقتهم واحدة، وتفننهم في نقض العهود والمواثيق واحدة، فلا يمكن لمسلمٍ أن يأمنهم، ولا يمكن أن يفوا بعهد ولا ميثاق؛ لأن التاريخ يشهد بذلك، وأن هؤلاء لا يمكن أن يحترموا عهداً ولا عقدا، وأنهم يوقعونه بيد، ويطعنون باليد الأخرى، والذي يأمنهم، أو يظن أنهم سيوفون بعهد فهو غبي مغفل إذا اعتقد بأن هؤلاء اليهود أهل سلام، ودين صحيح، وأنهم في حال احتلالهم يجوز أن يتركوا بغير جهاد، وقد أمر الله بجهادهم، فلا يجوز لمسلم أن يتركهم، وإنما ينبغي إعداد العدة لغزوهم، فمرتد إذاً من والاهم، ومن ناصرهم، ومرتد إذاً من يعتقد أن لهؤلاء ديناً صحيحاً يحترمون من أجله.

وكان حامل راية المسلمين في تلك الغزوة علي -رضي الله عنه-، الذي بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- كان حامل لواء تلك الغزوة عليا -رضي الله عنه- المبعوث في المقدمة، دفع إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- اللواء وخرج على إثره، وأذن في الناس بالرحيل للخروج إلى ذلك المكان، وشهد بنو غنمٍ وهم جيران المسجد بأن دحية الكلبي قد مر من ذلك المكان، ومعلوم أن جبريل -عليه السلام- كان يأتي على صورة دحية الكلبي، وهو صحابي جليل جميل يأتي أحياناً على صورته، فعرف النبي -صلى الله عليه وسلم- أن جبريل مر من تلك الناحية، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- اليهود، فحاصرهم خمساً وعشرين ليلة، فكان ذلك أمد الحصار.

فهؤلاء اليهود تاريخنا معهم تاريخنا معهم عجيب في قضية الحصار، لابد من حصارهم، ففي خيبر حصل حصار، وفي بني النضير حصل حصار، وفي بني قريظة حصل الحصار، فهؤلاء اليهود يستسلمون بالحصار، وإذا كان الله قد قذفهم فيما بيننا في هذا الزمن فلا بد من حصارهم حصاراً عسكرياً، وحصاراً اقتصاديا، وحصاراً نفسياً، فلا بد من المقاطعة التامة، ولا بد من أخذ الحذر، والتحدق لحصار هؤلاء، فإن معارك المسلمين الأولى، واضحة في انهيار اليهود بعد الحصارات، وكذلك انهيار الروح المعنوية، والاستسلام الذي يحصل بعد الحصار، كان ذلك الحصار أمراً واضحاً في معارك المسلمين مع اليهود.

فماذا تقول إذاً يا عبد الله في عكس الحصار إذا صار معهم، وهو الانفتاح؟ ماذا تقول في الانفتاح عليهم؟ إنه مخالفة للطريقة النبوية في هزيمة أولئك الأشخاص، في هزيمة أولئك القوم، كانت تبدأ بالحصار وتنتهي بمعركة ومبارزة أحياناً يعقبها هزيمة أو استسلام فوري بعد الحصار، فالحصار إذاً كان في تلك المعارك عاملاً أساسياً في النصر عليهم، ولا بد أن تستمر الطريقة في الحصار لأولئك اليهود عند تمنعهم، كانوا يتمنعون في الحصون في العهد النبوي، ويتمنعون اليوم في المستوطنات، لابد أن يشعر اليهود أنهم محاصرون، وتكون تلك الطريقة التي تقود إلى الانتصار عليهم؛ لأنهم يجيدون التحصن والتزود والتمنع، وأن يكونوا وراء تلك الجدر، وراء تلك الحصون المنيعة، من وراء جدر، فإذاً الطريقة حصار لابد أن يستمر، والذي ينفتح على اليهود خائن لله ورسوله، والذي لا يقاطعهم ولا يحاصرهم في هذه المحنة التي عصفوا بها بالمسلمين ليس له مكان بين المسلمين.

عباد الله! لقد حاصرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- خمساً وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذاً نزل البلاء بهم، والمحنة بعد حصارهم، فماذا فعلوا في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد ابن معاذ، فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى سعد فأتى على حمار، فلما دنا من المسجد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- للأنصار مبيناً مكانة سعد، وأن القاضي ينبغي أن يبجل ويحترم، ولكي تكون هيبته في النفوس عندما يوقع الحكم، فيستسلم له الأطراف، قال مبيناً لهذه الهيبة: "قوموا إلى سيدكم أو خيركم. فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال سعد ابن معاذ: "تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم"، قال: "قضيت بحكم الله"، وربما قال: "بحكم الملك" رواه البخاري.

وكان سعد -رضي الله عنه- قد أصيب وجرح في معركة الأحزاب، فتقول عائشة -رضي الله عنها-: "أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- خيمة في المسجد ليعوده من قريب" إكراماً لذلك السيد الذي نزل عن سيادته، ونزل عن ملكه ورئاسته للنبي -عليه الصلاة والسلام-، وأذعن له فكانت تضحيته بالرئاسة مثلاً، يقتدي به فيه كل مسلم تتعارض عنده الزعامة والرئاسة مع الأحكام الشرعية، فيضحي بالجاه لأجل الدين، ويقدم الدين على الرئاسة والجاه.

وهكذا "لما رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- ووضع السلاح، واغتسل، وأتاه جبريل -عليه السلام-، وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: (قد وضعت السلاح والله ما وضعته اخرج إليهم)، وأشار إلى مكان بني قريظة، فأتاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحاصرهم فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعدٍ، فقال سعد -رضي الله عنه- فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، أي: الرجال، وأن تسبى النساء والذرية"، ويؤخذ النساء والصبيان سبياً يفرقون على المسلمين، وملكاً، "وأن تقسم أموالهم".

وقال سعد -رضي الله عنه-: "اللهم إن كنت تعلم، اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم".

بعد الأحزاب لم يغزى المسلمون في المدينة، وانطلقت الهجمة عكسية فصار المسلمون هم الذين يخرجون، وتبين للكفار أنه ليس هناك جدوى من غزو المدينة، وهكذا قال سعد تلك الكلمات: "فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك، وإن كنت وضعت الحرب فافجرها"، أي هذه الجرحى التي فيه "واجعل موتتي فيها فانفجرت من لبته، فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار إلا الدم يسيل إليهم، فقال المسلمون: يا أهل الخيمة: ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دماً، فمات منها -رضي الله عنه- (رواه البخاري).

وهكذا كان من يجرح في المعركة ثم يموت نتيجة الجرح ولو بعد المعركة يكتب له أجر الشهيد، ويكون شهيداً حقاً؛ لأن موته كان بسبب تلك المعركة فهو من الشهداء، إذاً نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وقال لهم -عليه الصلاة والسلام-: "انزلوا على حكم سعد بن معاذ"، لماذا رضوا بذلك؟ لأنه كان حليفاً لهم في الجاهلية، فظنوا أن سعداً سيرأف بهم، وأنه سيكون أحسن حكماً من غيره بالنسبة لهم، ولذلك نزلوا عليه، فهل أعاقت العلاقة القديمة أن يتكلم هذا المسلم بالحق؟ وهل كانت الصحبة و المحالفات القديمة كانت عائقاً أمام أن ينطق بما يراه أنه في مصلحة الإسلام؟

كلا؛ لأن المسلم لا يقدم أي تحالفات على مصلحة الإسلام أبداً، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى سعد بن معاذ، فأوتي به على دابته قد حمل عليها، وحف به قومه، فقال: يا أبا عمر: حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية، ومن قد علمت، قال: وأني لا يرجع إليهم شيئا، سكت لم يتكلم برهة، ولا يلتفت إليهم حتى إذا دنا من دورهم، فالتفت إلى قومه، فقال: قد أنى لي أن لا أبالي في الله لومة لائم، فلما طلع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: "قوموا إلى سيدكم فأنزلوه"، قال عمر: سيدنا الله -عز وجل- قال: "أنزلوه"، فأنزلوه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "احكم فيهم" فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لقد حكمت فيهم بحكم الله -عزو جل- وحكم رسوله".

فأشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى سيادة سعد على قومه، وأشار عمر إلى السيادة العامة لله -عز وجل- على جميع المسلمين، ونطق سعد بالحكم لم تنطق به محكمة كافرة، ولم ينطق به حكم جاهلي، وإنما كان الحكم لليهود صادراً ممن؟ الحكم لليهود صادر ليس من حلف كافر، وليس من محكمة كافرة، ولا من قضاة كفار، فليس هؤلاء الذين يحكمون بين المسلمون واليهود، ولا يلجأ إليهم، وإنما الذي حكم هو سعد -رضي الله عنه- بطلب من النبي -عليه الصلاة والسلام- والله عليم، وربك يأمر بما يشاء، فطابق حكمه حكم الملك، وصار حكم سعدٍ شرعياً عندما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة"، من فوق سبع سماوات.

هكذا كان إذاً الرجل الموفق المسدد الذي حكم بما طابق الوحي، وهكذا نفذ الحكم، والمسلمون ليس عندهم تعطيل للأحكام، ولا مرافعات، ولا اعتراضات الحكم الشرعي، إذا تبين أنه حق لا يجوز الاعتراض عليه، ولا يجوز الطعن فيه، ولا يجوز تحويله على محكمة أخرى، ولا يجوز إعادة النظر فيه، إذا تبين أنه الحق لا يجوز إعادة النظر فيه، ولا تخفيفه، ولا نقضه، وهكذا، تم تنفيذ الحكم فوراً.

فيقول عطيه القرظي -وهو من بني قريظة-: "كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون"، أي قام المسلمون بجمع هؤلاء الرجال من اليهود؛ ليتم تنفيذ الحكم في هذا المجلس المهيب، وذلك المحشر لهؤلاء اليهود، جمع الرجال منهم، وهذا حكم الله فيهم، وكلف النبي -عليه الصلاة والسلام- عدداً محدوداً من الثقات من المسلمين أن يقوموا بمعرفة من الذي بلغ ممن لم يبلغ، لأن هناك مشكلة لا بد أن تحل كيف يميز بين الرجال والصبيان؟

الحكم الإلهي أن يقتل الرجال ويؤخذ الصبيان عبيداً عند المسلمين، وينشؤون في بيئة إسلامية، ويكونون ملكاً للمسلمين، ولا يسلمون إلى أي جهة أخرى، لا صليب ولا غيره، فإذاً كان هؤلاء عند المسلمين، والمشكلة كانت ما الذي سيفرق؟ وكيف يعرف الرجل من الصبي؟ لأن الرجل سيقتل، والصبي يؤخذ سبي، فكيف سيعرف هذا من هذا؟

أما علامات البلوغ التي تفرق بين الرجل والصبي، والبالغ وغير البالغ، البالغ يلحق بالرجال ويقتل، وغير البالغ يؤخذ في السبي، فعلامات البلوغ تخفى في هذه الحالة، من بلوغ تمام خمسة عشر عاما، أو الإنزال، فبقيت علامة واحدة جعلها الله في البدن دليلاً واضحاً على البلوغ تستعمل في مثل هذه الحالة، فكلف النبي -عليه الصلاة و السلام- لأجل الضرورة عدداً محدوداً من ثقات المسلمين، أن يطلعوا على عورات أولئك اليهود المشكوك فيهم هل هم صبيان أم رجال، فمن أنبت الشعر قتل هذا هو الحكم الشرعي.

قال عطية القرظي: فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قتل؛ لأنه بإنباته الشعر الخشن صار رجلاً يلحق بالرجال فيقتل معهم، تنفيذاً للحكم الإلهي بقتل رجالهم، ومن لم ينبت لم يقتل، قال: فكنت فيمن لم ينبت.

وهكذا جعلوه في السبي، ونشأ مع المسلمين، وصار عطيه القرظي مسلماً، كان له شأناً بعد ذلك، كانت عملية تنفيذ واضحة للحكم الإلهي، ودقيقة ليس فيها إجحاف ولا ظلم، مبنية على شيء جعله الله في أبدان الآدميين، وهكذا قتل أولئك الأربعمائة، أو الستمائة من الرجال، كما جاءت الروايات، ومضى سعدا بعد الحكم شهيداً إلى ربه.

اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن يحكم بحكمك يا رب العالمين، ونسألك أن تحكمنا في رقاب اليهود إنك على كل شيء قدير، اللهم سلط المسلمين عليهم، اللهم مكن المسلمين من رقابهم، اللهم انصر عبادك على أولئك إخوان القردة والخنازير إنك سميع مجيب.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وسبحان الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأشهد أن محمدا رسول الله، البشير والنذير، والسراج المنير، والشافع المشفع يوم الدين، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين.

وهكذا أيها الأخوة، أخذ العلماء حكماً شرعياً في جواز النظر إلى العورة عند الضرورة، وكان النظر إلى تلك العورة في تلك الموضع أشد حاجة من نظر الطبيب إلى موضع العورة عند العلاج، لما يترتب على ذلك من إزهاق أرواح تحق أن تزهق، وإبقاء أخرى لا يجوز أن تقتل.

وهكذا لم يكن من هدي المسلمين قتل النساء إلا في حالات محدودة، فالمرأة لا تقتل بالأصل من الأعداء، وإنما تؤخذ مع السبي والرقيق،

لم يكن من هدي المسلمين قتل النساء إلا في حالات محدودة، فالمرأة لا تقتل بالأصل من الأعداء، وإنما تؤخذ مع السبي والرقيق،

ولا شك أن فيهم من الرضع والأطفال من تقتضي الحكمة بقاء أمه معه، ولم يكن من هدي المسلمين أن يفرّقوا بين الأم والرضيع، وإنما يقضى على رؤوس الطغيان، ويقتل أولئك المحادّون لله ورسوله، وتطهر الأرض من رجسهم، ويبقى هؤلاء مع المسلمون، يعيشون حياة جديدة، بمؤثرات صحيحة بعيداً عن المجتمع الكافر المشرك، وهكذا كان منهم فيما بعد أناس لهم شأن في الإسلام.

وليست المسألة أصل ونسب، وإنما دين وعقيدة، قتلوا وبقي نسائهم إلا امرأة واحدة، فما هي قصتها؟ تقول عائشة -رضي الله عنها- أمنا: "لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة، والله إنها لعندي تتحدث معي تضحك ظهراً وبطناً، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقتل رجالهم بالسوق، إذ هتف هاتف باسمها، أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قلت: ويلك ومالك؟ قالت: أقتل اليهودية تعلم ما هو حكمها؟ هي بالذات، قلت: أقتل، قلت: ولِمَ؟ قالت: حدثاً أحدثته، فهناك خيانة، وقضية معينة، ضد هذه المرأة، قالت: فانطلق بها فضربت عنقها.

وكانت عائشة تقول: والله ما أنسى عجبي من كثرة ضحكها وقد عرفت أنها تقتل، فماذا فعلت تلك اليهودية؟ إن تلك اليهودية هي التي طرحت الصخرة ودحرجتها على واحد من المسلمين فقتلته بها، فهذه اليهودية طرحت الرحى على خلاد ابن سويد -رضي الله عنه- فقتلته، فكان لابد من القصاص، فقتلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- به.

إذاً ما كان من جرائم سابقة اندس أصحابها بين هؤلاء لا تسقط بتقادم العهد، ولا تبطل الدماء بمرور الزمان، وإنما يبقى الحكم الشرعي هو هوَ حتى يقدر على تنفيذه، وهكذا، وهكذا نفذ الحكم في تلك المرأة.

وأسلم بعض اليهود نتيجة لذلك، فيقول ابن عمر -رضي الله عنه- حاربت قريظة والنضير، فأجلى بني النضير، وأقر بني قريظة، ومن عليهم حتى حاربت قريظة، فقتل رجالهم، وقسم نسائهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحقوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- أي أسلموا فأمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بني قينقاع، وهم رهط عبد الله ابن سلام، ويهود بني حارثة، وكل يهود المدينة.

وبذلك طهرت المدينة تماماً من اليهود، وأجلوا عنها دار الإسلام، وعاصمة الإسلام، ومعقل أهل الإسلام في تلك المدينة النبوية، فلما أسلم هؤلاء انتهت المشكلة بيننا وبينهم، فليست المشكلة إذاً بيننا وبين اليهود أصلهم ولا نسبهم، وإنما القضية بيننا وبينهم أنهم كفرة متمردون على الله ورسوله، ولذلك نحاربهم من أجل العقيدة لا من أجل الأصل، ولا النسب.

ومضى سعد ابن معاذ شهيداً إلى ربه، في ذهاب عجيب؛ لأن جرحه كان قد اندمل حتى لم يكد يرى منه إلا مثل الخرص، الحلقة الصغيرة من الحلي، لم يبقى من الجرح إلا شيئاً يسيرا، ولكن بذلك الدعاء الذي أراد به ألا يفوته أمر الشهادة، وأن يلحقه الله بقافلة الشهداء بعد أن استتب الأمر لأهل الإسلام، وضمنوا المدينة، انفجر جرحه، وتدفقت الدماء ومات في شهادته -رضي الله تعالى عنه- فحضره رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبو بكر، وعمر، قالت عائشة: فو الذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتي، فكانوا كما قال الله -عز وجل-: (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29].

وهكذا شاركت الملائكة في حمل سعد -رضي الله تعالى عنه-، ولما احتملوه إلى بني عبد الأشهل إلى منازلهم من الخيمة جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقيل: انطلقوا به، فخرج وخرجنا معه، وأسرع حتى تقطعت شسوع نعالنا، وسقطت أرديتنا من السرعة، فشكا إليه ذلك أصحابه، فقال: إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة، فتغسله كما غسلت حنظله، فانتهى إلى البيت وهو يغسل، وأمه تبكيه، وتقول:

ويل أم سعد سعدا حزامة وجدا

فقال: "كل باكية تكذب إلا أم سعد"، ثم خرج به، يقول القوم: ما حملنا يا رسول الله: ميتاً أخف علينا منه، قال: "ما يمنعه أن يخف وقد هبط من الملائكة كذا وكذا لم يهبطوا قط قبل يومهم قد حملوه معكم" (أخرجه ابن سعد وإسناده حسن).

ووقف عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يكيد نفسه، ويبشره، ونفسه تخرج، قال: "جزاك الله خيرا من سيد قوم فقد أنجزت ما وعدته ولينجزنك الله ما وعدك".

وهكذا ضم القبر سعد بن معاذ في ضمة لو نجا منها أحد لنجا سعد، وشارك أعظم مخلوق، وأكبر مخلوق شارك، أكبر مخلوق من مخلوقات الله على الإطلاق، شارك أكبر مخلوق بأمر الله ذلك التأثر لموت سعد -رضي الله عنه-، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "اهتز عرش الرحمن لموت سعد".

والعرش أكبر المخلوقات على الإطلاق، وأكبر من السماوات، بل إن السماوات لا تساوي في نسبتها إليه شيئا، اهتز العرش بعظمته، واتساعه، اهتز عندما صعدت روح سعد إلى السماء.

وكان -عليه الصلاة السلام- يثني على سعد بعد مماته، فلما جيء مرة بجبة من سندس وحرير، وتعجب الناس من لينها، قال -عليه الصلاة والسلام-: "والذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا".

وهكذا كان الحكم بالعدل والدين، كان الحكم الشرعي الذي وفق إليه هذا الرجل خاتمة لحياته، وبعدها شهادة في سبيل الله، فذهب إلى ربه، وقد قضا بذلك القضاء الذي سطر في كتب التاريخ دليلاً على ما يكون عليه المسلم من الإنصاف، والتجرد لله ورسوله، والحكم بحسب الشريعة لا بحسب الهوى، ولا بحسب الأحلاف والصداقات القديمة، وأسدل الستار على تلك الطائفة من اليهود، وانتهى أمرهم، وتخلص المسلمون من ذلك الشر العظيم.

نسأل الله -عز وجل- أن يخلصهم اليوم من هذا الشر العظيم الذي نزل بهم، اللهم خلص المسجد الأقصى من شر اليهود، اللهم أخرج اليهود من بيت المقدس أذلة صاغرين، اللهم اجعل أمرهم في سفال، واجعل شأنهم إلى زوال.

اللهم خذل مقاتلتهم، اللهم خيب رميتهم، اللهم فرق شملهم، وشتت جمعهم، واجعل دائرة السوء عليهم، خالف بين كلمتهم، وألقي الرعب في قلوبهم، وارزقنا جهادهم، واجمع كلمة المسلمين على جهادهم.

اللهم إنا نسألك الحصار لهم من عندك، اللهم إنا نسألك أن توحد المسلمين على التوحيد، وأن تجعلهم يقاتلون أعدائك إنك سميع مجيب، اللهم ارحم المسلمين في أرض فلسطين وفي مقدونيا وسائر الأرض يا رب العالمين.

اللهم احمل حافيهم، وأطعم جائعهم، وأبرئ جريحهم، واشفي مريضهم، اللهم ارحم ضعيفهم، اللهم إنهم يعانون اليوم ولا منقذ إلا أنت لهم، اللهم فأنقذهم مما هم فيه يا رب العالمين، اللهم أنت كاشف الكرب لا يكشف الكرب إلا أنت، وأنت كاشف الضر لا يكشف الضر إلا أنت، اكشف ما نزل بالمسلمين من ضر يا أرحم الراحمين.

أيها المسلمون: عودة صادقة إلى الله، وتركاً للهو والمعاصي، ونحن في هذه الظروف الحالكة، وفي هذه المواجهة مع اليهود الذين بغوا على إخواننا بغياً لم يشهدوا مثله في هذا الجيل الذي نشئوا فيه، لم ير شبان المسلمين في فلسطين مثل هذا البغي والظلم، فينبغي أن يشارك شباب المسلمين هنا ذلك الشباب على الأقل في شيء من الجدية، والإقبال على الله، وترك المعاصي والمنكرات، والأسواق التي تعج بالفساد، والشاشات التي تنضح بالعهر والفجور، أن يكون هناك مشاركة حقيقية، ونحن إخوة في الدين، وأن نقدم ما نستطيع.

ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يهدي المسلمين، ويردهم إلى الإسلام رداً جميلا، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات:180-182].