جديد الموقع
حكم اللحوم المستوردة => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم أكل اللحم من غير المسلمين => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? ما حكم ذبح الذبائح في عيد الفطر => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? هل يؤكل من الذبيحة التي نسيت التسمية عليها => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم الذبح عند شراء بيت وسيارة ونحو ذلك => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم الأكل والصدقة من الأضحية => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم الأكل من الذبيحة التي تذبح يوم عيد الفطر => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم من اعتاد أن يذبح في آخر رمضان ذبائح ويتصدق بلحمها => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم الأكل من الصيد والذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها نسيانا => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ? حكم وضع الطعام على الجرائد => الأضــاحـي والأطـعـمــة - محمد بن صالح العثيمين ?

تغريدات

إعلانات

عدد الزوار

الاحصائيات
لهذا اليوم : 1264
بالامس : 4583
لهذا الأسبوع : 17807
لهذا الشهر : 81461
لهذه السنة : 564878
منذ البدء : 1019206
تاريخ بدء الإحصائيات : 12-10-2011

المتواجدون

انت الزائر :1804854
يتصفح الموقع حالياً : 70
مدة بقاء المتواجدون : 1 ثانية


المادة

أفي تحريم الغناء شك؟

  محمد صالح المنجد

عناصر الخطبة
1/ ظاهرة انتشار الغناء 2/ من أدلة تحريم الغناء 3/ أسماء الغناء في القرآن الكريم 4/ آثار الغناء السيئة على القلب والسلوك
اقتباس

لقد ورد إليّ السؤال التالي، يقول السؤال: لقد انتشر في هذا الزمان أمر فظيع؛ وهو ظاهرة إهداء الأغاني، وكثرة سماعها، وانتشارها، مما يكون فيه كلمات ماجنة، أو أصوات النساء، وأنواع الموسيقى، فما حكم الشريعة في هذا الأمر، وقد صار أمراً منتشراً، وأقبل عليه المراهقون والمراهقات، والكبار والصغار؟…

الخطبة الأولى:

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل ضلالة في النار.

إخواني: لقد ورد إليّ السؤال التالي، يقول السؤال: لقد انتشر في هذا الزمان أمر فظيع؛ وهو ظاهرة إهداء الأغاني، وكثرة سماعها، وانتشارها، مما يكون فيه كلمات ماجنة، أو أصوات النساء، وأنواع الموسيقى، فما حكم الشريعة في هذا الأمر، وقد صار أمراً منتشراً، وأقبل عليه المراهقون والمراهقات، والكبار والصغار؟ ما الحكم الشرعي في هذه المسألة، وقد صارت تبث عبر شبكات الإذاعات الفضائية ظاهرة إهداء الأغاني وسماعها؟ ما هو الحكم الشرعي في هذه المسألة؟.

وأقول: يا عباد الله، إن هذه من المصائب العظيمة التي عمت في عصرنا، حتى إنك لا تكاد تدخل مكاناً أو محلاً من المحلات إلا وتبتلى بسماع شيء من ذلك، وقد دخلت الموسيقى في كثير من الأجهزة، في الهواتف وغيرها، وصار عدد من الناس في سياراتهم هذه الأشرطة، وأقبلوا على الطرب، وهذه البلية -ولا شك- مما عم واشتهر وانتشر.

ولا بد أن يعرف المسلم حكم الله ورسوله في هذه القضية، فإن من مكايد عدو الله ومصايده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين، سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان.

فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة، وحسنه لها مكراً منه وغروراً، وأوحى إليها الشبه الباطلة فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجوراً، فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات، وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له تمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسّر النسوان؟ ويحق لهم ذلك، وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها أعظم ما يفعله حمي الكؤوس.

فلغير الله بل للشيطان قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق، حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجِله وخيله، وخز في صدورهم وخزاً، وأزّهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزاً، فطوراً يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الديار، فيا رحمة للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام! ويا سوءة من أشباه الحمير والأنعام! ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام!.

وهذا فيه إشارة من العلّامة ابن القيم -رحمه الله- إلى ما دخل به الشيطان على الصوفية في مسألة الرقص والغناء والسماع، فصارت القضية بدعة عند هؤلاء، وفسقاً عند أهل المجون الذين يسمعون الغناء، فصارت المسألة مشتركة، فلا حول ولا قوة إلا بالله على هذه الظاهرة السيئة التي عمت وانتشرت!.

عباد الله: لعلنا نستعرض وإياكم شيئاً من الأدلة من الكتاب والسنة، ثم فتاوى أهل العلم؛ ليزداد الذين آمنوا إيماناً ويقيناً بحرمتها، ويكتسبوا من سماع الكلام أدلة يدمغون أهل الباطل في مجالسهم التي يثيرون فيها الشبه حول سماع الأغاني، ويستيقن الذين يسمعونها بحكم الشريعة فيها، وتقام عليهم الحجة، فيتوب التائب منهم، ويواصل من كتب الله عليه الشقاوة في هذا المشوار ليزداد سواد صحائف أعماله، وتكثر سيئاته، ولكن من الواجبات إقامة الحجة على الفسقة الذين يصرون على الباطل.

هذا السماع الشيطاني، هذا الغناء، له في الشريعة بضعة عشر اسماً، فمن ذلك: اللهو، واللغو، والباطل، والزور، والمكاء، والتصدية، ورقية الزنا، وقرآن الشيطان، ومنبت النفاق في القلب، والصوت الأحمق، والصوت الفاجر، وصوت الشيطان، ومزمور الشيطان، والصمود.

أسماؤه دلت على أوصافه *** تباً لذي الأسماء والأوصاف

احفظ -يا عبد الله- الأدلة التي تدل على تحريم الغناء في الكتاب والسنة، لتبرزها سيفاً مشهراً في وجوه المتلاعبين، وفي مجالس العصاة الذين هم على هذه المعصية مصرين، قال الله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [لقمان:6-7].

قال الواحدي -رحمه الله-: "وأكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث الغناء"، قاله ابن عباس، وقاله عبد الله بن مسعود، رضي الله -تعالى- عنهما، قال العلماء: "أكثر ما جاء في التفسير أن لهو الحديث هنا هو الغناء"؛ لأنه يلهي عن ذكر الله -تعالى-.

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)، قال أهل المعاني، أهل التفسير: "ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن"، وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء، فلفظ الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار، وهو كثير في القرآن، وهذه الآية على هذا التفسير تدل على تحريم الغناء.

وكذلك فقد جاء عن أبي الصهباء -رحمه الله- قال: "سألت ابن مسعود عن قوله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ…)، فقال: "والله الذي لا إله غيره هو الغناء! والله الذي لا إله غيره هو الغناء! والله الذي لا إله إلا غيره هو الغناء!" أخرجه ابن جرير وهو حديث حسن، وصح عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أيضاً أنه الغناء.

هؤلاء الصحابة الذين شاهدوا تفسيره من الرسول -صلى الله عليه وسلم- علماً وعملاً، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، أولى من يؤخذ بكلامهم في تفسير كتاب الله -تعالى-.

ويوضح ذلك، يوضح أنه رقية الزنا أيضاً، ومنبت النفاق وشرك الشيطان، وخمرة العقل، أنك لا تجد من عني بالغناء، وسماع آلاته، إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علماً وعملاً، وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء، بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن، عدل عن هذا إلى ذاك، شغّل أمامه شريط قرآن وشريط غناء، فهو يريد أن يسمع الغناء، ويميل إليه، وينفر قلبه من سماع القرآن، يفضل هذا على ذاك ولا شك؛ ولذلك يثقل عليه سماع القرآن، وإذا تحمله لا يتحمله إلا مدة وجيزة، ولكن الغناء يسمعه ساعات طويلة، وهذا مشاهد ولا شك.

ولا جدال في ذلك في الذين يستمعون إلى الأغاني، بل ربما حمله الحال على أن يسكت قارئ القرآن، ويستكثر قراءته ويستطيلها، وفي المقابل هو يستزيد المغني ويستقصر نوبته، ولذلك فإنها فتنة، (وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا) [المائدة:41].

ومن أسماء الغناء في الكتاب والسنة: الزور واللغو، قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) [الفرقان:72].

قال أهل العلم: "لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالؤونهم عليها، ومروا مر الكرام الذين لا يرضون باللغو؛ لأنهم يكرمون أنفسهم عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله، كما قال الله: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) [القصص:55]. فقل لي بربك: ما هو اللغو إذا لم يدخل فيه الغناء؟ اللغو أنواع ومنها وأشهرها وعلى رأسها الغناء.

وتأمل قول الله: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)، ولم يقل: لا يشهدون بالزور، شهادة الزور لها نصوص أخرى، الشهادة بالزور، قال: (وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ)، ومعنى يشهدون: يحضرون، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، ما هو الزور؟ أنواع كثيرة، ويطلق عموماً على الكلام الباطل، وعلى العمل الباطل، ولا شك أن الغناء من الزور، وأن مجالسه من مجالس الزور.

وكذلك فإن من أسماء الغناء في القرآن: الباطل، الذي هو ضد الحق، (وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء:81]، بحيث يعرف صاحب الفطرة السليمة أن الغناء من الباطل، وأن أمره محرم؛ ولذلك، لما جاء رجل لابن عباس -رضي الله عنهما- فقال: ما تقول في الغناء؟ أحلال هو أم حرام؟ قال له ابن عباس -رضي الله عنه-: "أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة"، الحق في صف والباطل في صف، الحق فيه القرآن والسنة والأنبياء والصحابة والأولياء، وفيه القرآن والذكر والدعاء والصدقة والحج والاستغفار، إلى آخره، والباطل جاء في صف فيه فرعون وهامان وأبو جهل ومعهم الزنا والخمر والكفر والشرك والمعصية، قال ابن عباس للرجل: "أرأيت الحق والباطل إذا جاءا يوم القيامة، فأين يكون الغناء؟"، احفظ هذا المثل من ابن عباس لتفحم به وتلقم أفواههم حجراً، فأين يكون الغناء؟ أرأيت الحق والباطل إذا جاءا صفان يوم القيامة فأين يكون الغناء؟ أين تكون الموسيقى؟ أين يكون الطرب؟ أين يكون الغناء؟ فقال الرجل: يكون مع الباطل. ولا بد أن يجيب الذي في قلبه شيء من الدين والفطرة السليمة أنه في صف الباطل، لا يمكن أن يكون أن الأغاني ستأتي في صف محمد -صلى الله عليه وسلم- والقرآن، أبداً، فقال الرجل: يكون مع الباطل، فقال له ابن عباس: "اذهب فقد أفتيت نفسك".

فهذا جواب ابن عباس -رضي الله عنهما-، عن غناء من؟ السؤال وقع على أي شيء؟ السؤال وقع على أي شيء؟ السؤال وقع عن غناء الأعراب، الغناء غناء الأعراب، تلحين الأشعار بما يطرب، ليس فيه مدح الخمر والزنا واللواط، والتشبيب بالأجنبيات، وذكر محاسن النساء، وأصوات المعازف والآلات المطربة، فإن غناء القوم في ذلك الوقت لم يكن مشهوراً فيه شيء من ذلك… يقول ابن القيم -رحمه الله-: "لو شاهد ابن عباس، لو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول، فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير وأعظم من فتنته".

ونحن نقول اليوم: فكيف لو شاهد العلماء الذين تكلموا في حكمه في الماضي كيف لو شاهدوا تطور الغناء في هذا الزمان، وتنوع الآلات الموسيقية التي تصدر الأصوات المختلفة؟ كيف لو شاهدوا المسارح في الهواء الطلق؟ كيف لو شاهدوا مهرجانات الأغاني المنتشرة، وتباع التذاكر بكذا وكذا، ثم يقولون: نفدت تذاكر المغني الفلاني قبل وصوله إلى البلد الفلانية بأسبوع؟ كيف لو شاهدوا هذه الأشرطة؟ كانوا يتكلمون يقولون: إن إحضار القينة إلى المجلس لتغني القوم أو إحضار المطرب ليغني القوم كذا وكذا، فكيف لو شاهدوا انتشارها بالأشرطة وسماعها في سائر القنوات وإهداءها؟.

يا عباد الله: كيف لو شاهدوا ذلك؟ ماذا كانوا سيقولون؟ هذا يهدي لخطيبته، وهذا يهدي لحبيبته وعشيقته، وهذا يهدي لبنات ثانوية البنات! وهذا يهدي لمقدمة البرنامج الفاسقة الداعرة، وهذا يهدي، وهذا يهدي من أطراف الأرض، ما كفتهم الأرض، ملؤوها بفسقهم، حتى صعد الفسق إلى السماء في القنوات الفضائية، التي تعج بأمواج الأغاني يميناً وشمالاً، بارزوا الله بالمعصية على الأرض وفي الفضاء، وملائكته نازلة صاعدة، وأوامره نازلة -سبحانه وتعالى- من السماء، وهذه الأمواج بالأغاني تسرح يميناً وشمالاً، وتدخل كل بيت، وتفتن كل رجل وامرأة.

ولذلك؛ لو شاهدوا ما نشاهد ونعاني ونسمع، وينقل إلينا من أخبار الناس، لقالوا فيه أعظم قول، فإن مضرة الإسكار بالغناء أكثر من مضرة الإسكار بما يحصل أحياناً عند تعاطي الخمر.

وأما تسمية الغناء بالتصدية والمكاء فقد قال الله -تعالى- عن الكفار: (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً) [الأنفال:35]. قال ابن عباس وابن عمر وعطية ومجاهد والضحاك والحسن وقتادة وغيرهم: "المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق"، وكذلك قال أهل اللغة.

فالمكاء هو: جمع اليدين للتصفير، والتصدية إذا صفق بيديه، قال ابن عباس: "كانت قريش يطوفون بالبيت عراة ويصفقون ويصفرون"، وقال مجاهد -رحمه الله-: "كانوا يعارضون النبي -صلى الله عليه وسلم- في الطواف، ويصفرون ويصفقون، يخلطون عليه طوافه وصلاته".

وكانوا يفعلون هذه الأنواع، والمقصود من إيراد الآية أن المصفقين، والصفارين، في يراع أو مزمار ونحوه من كل الآلات التي فيها نفخ -وما أكثرها الآن! أشكال وأنواع من الأبواق والمزامير- فيهم شبه من هؤلاء المشركين، ولو أنه مجرد الشبه الظاهر فلهم قصد من الذم وإن لم يتشبهوا بهم في التصفيق والصفير حول الكعبة، فهم يتشبهون بهم في التصفيق، والتصفير، في الهيئة الظاهرة، والشكل العام، والفعل العام، فهم لهم نصيب من الذم بحسب تشبههم، فإن فعل عند الكعبة فهو أشد وأطم وأنكى وأعظم.

والله -سبحانه- لم يشرع التصفيق للرجال في وقت الحاجة في الصلاة إذا نابهم أمر، بل أمروا بالعدول عنه إلى التسبيح؛ لئلا يتشبهوا بالنساء، فكيف إذا فعلوه لا لحاجة، وإنما لتشجيع المغني؟ تشجيع المغنين، تشجيع المغنين على المسارح بالتصفيق المتوالي والتصفير دلالة الإعجاب على سحبته وإيقاعه وختم نوبته وفاصلته، هكذا يفعلون، وفي القرآن ذم لهم.

أما تسمية الغناء برقية الزنا فهو اسم موافق لمسماه، ولفظ مطابق لمعناه، فإن الغناء يؤدي إلى الزنا، وهو ترياق له مجرب، ولذلك تجد أهل الزنا كثيراً ما يسمعون الأغاني ويدمنون عليها؛ لأنها تؤزهم أزاً إلى الفاحشة، وتشجعهم على ذلك، كيف لا، وفي الأغاني ذكر أوصاف المحبوب والمحبوبة، وذكر العشق، والموعد، واللقاء، والغرام.

يا عباد الله: محاور كثير من كلمات الأغاني تدور على هذا، بل إنه قد نقل إلينا عدد من الناس أن الأغاني الحديثة الآن فيها ما يسمى بالفيديو كليب، وهو أن تقوم امرأة فاتنة متزينة متبرجة ترقص أمام المغني وتتمايل وتتحرك مبرقعات وغير مبرقعات يطفن أمامه مجموعات أو واحدة وهو يغني، والكلام كله منصب على ذكرها وذكرهن، وعلى الحب والغرام وما فيه، فهل رأيت أفسد من هذا؟! هل يمكن أن يقول عاقل بأنه حلال؟!.

لقد كان العرب يعرفون في الجاهلية أثر الغناء على المرأة، لقد نزل الحطيئة برجل من العرب، ومعه ابنته مليكة، فلما جنه الليل سمع الحطيئة غناءً فقال لصاحب المنزل: كف هذا عني، فقال: وما تكره من ذلك؟ قال: إن الغناء رائد من رادة الفجور، ولا أحب أن تسمعه هذه، يعني ابنته، فإن كففته وإلا خرجت عنك.

فانظر الآن إلى هيام الفتيات بالأغاني والمغنين، وإعجابهن بأشكال المطربين، وطلبهن لسائر الأنواع من هذه الأغاني! وربما نصوا عليها نصاً، تتصل الفاسقة لتقول: أريد الأغنية الفلانية للمغني الفلاني، وتصر عليها، وتجادل من أجلها، فقل لي بربك بعد ذلك: هل يمكن أن يكون هذا الغناء حلالاً؟ وما هي مسؤولية الآباء؟ ما هي مسؤولية أصحاب البيوت في هذا الخنا والفجور؟ أليس المسألة رضاً بالفجور في البيوت؟ ماذا سماها النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ ألم يقل: "إن الله لا ينظر إلى الديوث"؟ ألم يبين النبي -صلى الله عليه وسلم- عاقبة مثل هذا الأمر؟ إذا كان الشاعر مفتون اللسان الذي هابت العرب هجاءه خاف عاقبة الغناء، وأن يصل مفعوله إلى حرمته وابنته، فما الظن بغيره؟.

ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، ومن طرَّق أهله إلى سماع رقية الزنا فهو أعلم بالإثم الذي يستحقه.

ومن الأمر المعلوم أن المرأة إذا استصعبت على الرجل، هذا عند أهل الفسق، يقول ابن القيم -رحمه الله-: "إن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء"، فحينئذٍ تعطي الليان، وتنقاد، وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جداً، فإذا كان الصوت بالغناء صار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء".

يقول ابن القيم عن القرن الثامن والتاسع الهجري، ونحن الآن في الخامس عشر، تضاعف عدد السنوات، واخترع ما اخترع: "لو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء".

فلعمر الله! كم من حرة صارت بالغناء من البغايا، وكم من حر أصبح به عبداً للصبيان أو الصبايا! وكم من غيور تبدل به اسماً قبيحاً بين البرايا! وكم ذي غنىً وثروة أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والحشايا! وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلت به أنواع البلايا! وكم أهدى للمشغوف به من أشجان وأحزان فلم يجد بداً من قبول تلك الهدايا! وكم جرع من غصة وأزال من نعمة، وجلب من نقمة، وذلك منه -من الغناء- من إحدى العطايا! وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة، وهموم مستقبلة! نسأل الله السلامة والعافية.

اللهم جنبنا الخنا، والفجور، وأنعم علينا بالعفاف والهدى والتقى، يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم باعد بيننا وبين قرآن الشيطان، اللهم اجعل بيننا وبين الخنا برزخاً وحجراً محجوراً، اللهم إنا نسألك العافية من هذه المحرمات، نسألك فعل الطاعات، وترك المنكرات، وحب الخيرات.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله: إن من أسماء الغناء التي وردت عن السلف رحمهم الله: منبت النفاق، كما ورد عن ابن مسعود رضي الله -تعالى- عنه في قوله: "الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء الزرع"، وكذلك ورد عنه في رواية أخرى أنه قال: "الغناء ينبت النفاق في القلب".

ولا شك في ذلك؛ فإن هذا من قول الصحابة وهم أفقه الأمة، وأعرف الناس بأحوال القلوب، وأعمالها، وأدويتها وأدوائها، فإنهم أطباء القلوب الذين داووا أمراض القلوب؛ ولذلك فهم الذين يداوون من السقم حقاً، فإذا قالوا: إنه ينبت النفاق فهم أعلم من غيرهم؛ ولذلك فإن الغناء يلهي القلب، ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه، فإن الغناء والقرآن لا يجتمعان في القلب أبداً؛ لما بينهما من التضاد، فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانبة الشهوات، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان، والغناء يأمر بضد ذلك كله، ويحسنه، ويهيج النفوس إلى الشهوات، فيثير كامنها، ويزعج قاطنها، ويحركها إلى كل قبيح، ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح، فهو والخمر رضيعا لبان، وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان، فالغناء صنو الخمر، ورضيعه، ونائبه، وحليفه، وخديمه، وصديقه، عقد الشيطان بينهما عقداً للإخاء الذي لا ينفسخ، وأحكم بينهما بشريعة لا تنتسخ.

فهذا الغناء جاسوس القلب، وسارق المروءة، وسوس العقل، يتغلغل في مكامن القلب، ويطلع على سرائر الأفئدة، ويدب إلى محل التخيل في القلب والعقل، فيثير ما فيه من الهوى والشهوة، والسخافة، والرعونة، فبينما ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل، وبهجة الإيمان، ووقار الإسلام، وحلاوة القرآن، فإذا استمع الغناء، ووقع في الغناء، وزينه له الشيطان، واستجره إليه، ومال إليه، تجده قد نقص عقله، وقل حياؤه، وذهبت مروءته، وفارقه بهاؤه، وتخلى عنه وقاره، وفرح به شيطانه، وثقل عليه قرآنه، وقال القرآن في صدره لربه: يا رب، لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد!.

وتجد هذا الشخص قد استحسن ما كان قبل سماع الغناء يستقبحه، وأبدى من سره ما كان يكتمه، وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب، فمال برأسه، وهز منكبيه وضرب الأرض برجليه، يصفق بيده تصفيق النسوان، ويخور من الوجد كخوار الثيران، وهكذا يفعل الغناء فعله فيمن حط وسفل وانتكس ودخل في هذه المهانة.

وأكثر ما يورث عشق الصور وعشق الأشكال الغناء، كيف لا والصور تعرض مع الأغنية، بهذه العيون الفاتنة، ويزين الغناء للمرء استحسان الفواحش وإدمانها، ويثقل القرآن على القلب فيكره سماعه، وسر المسألة أن قرآن الشيطان لا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبداً، لا تجد قلباً معموراً بالقرآن مفعماً بالإيمان سباقاً إلى المساجد صاحبه يعمل بالطاعات ثم هو بعد ذلك مقيم على سماع الغناء، لا يمكن أن تجد ذلك أبداً؛ لأن النفاق مؤسس على الكذب، والغناء من أكذب الشعر، فيلتقيان ويهيجه.

والغناء أيضاً هو قرآن الشيطان، قال قتادة -رحمه الله-: لما أهبط إبليس قال: يا رب لعنتني فما عملي؟ قال: السحر، قال: فما قرآني؟ قال: الشعر، قال: فما كتابي؟ قال: الوشم، قال: فما طعامي؟ قال: كل ميتة، قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر، قال: فأين مسكني؟ قال: الأسواق، قال: فما صوتي؟ قال: المزامير، قال: فما مصائدي؟ قال: النساء.

وأما كون المزمار مؤذن الشيطان ففي غاية المناسبة، فإن الغناء قرآنه، والرقص والتصفيق صلاته، فلا بد لهذه الصلاة من مؤذن وإمام ومأموم، فالمؤذن المزمار، والإمام المغني، والمأموم الحاضرون.

وهكذا صلاة الشيطان، وقرآن الشيطان؛ ولذلك فإنه يجتمع فيه من المفاسد أمر عظيم، قل لي بعد ذلك في هؤلاء الذين يقولون بأن الغناء منه ما هو حلال ومنه ما هو حرام، والموسيقى الهادئة حلال، والموسيقى الصاخبة حرام، وغناء الرجال حلال، وغناء النساء حرام، ويفرقون بين ما لم يفرق به الله ورسوله، ويفتون الفتاوى الرخيصة، ويتابعهم الجهلة، ويطيرون بها في الآفاق، ويجادلون بها في المجالس، ويقولون: الشيخ فلان قال، والشيخ فلان أفتى، ورخص فيه فلان وفلان.

ثم نحن لم نستعرض بعد ما ورد في السنة، من تحريم المعازف بأنواعها، وجميع آلات اللهو، سواءً ما ينفخ فيه أو يضرب أو يعزف بالأصابع، ثم لم نستعرض كلام أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم فيه، ثم لم نذكر عدداً من المفاسد، ولم نذكر ما ورد عن المحدثين، وبعضهم من الكفرة، في مساوئ آلات الطرب والموسيقى الصاخبة على الأذن والنفس وما تؤدي إليه، فسيكون ذلك إن شاء الله في خطبة قادمة، نكمل بها الموضوع؛ لنزداد إيماناً، ونعلم حكمة هذه الشريعة في تحريمها للغناء والموسيقى، ومن كان له عقل ومن كان له قلب استفاد واعتبر، وأما المعاند المصر فلو جئته بالكتاب والسنة لإقناعه فتلوتهما عليه لم يكن لذلك من أثر، ولا حرك فيه شعره.

نسأل الله أن يحيي قلوبنا بالقرآن، وأن ينعم علينا بلباس الإيمان، اللهم جنبنا الفسوق والعصيان، وحب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، واجعلنا من الراشدين.

اللهم آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور. اللهم انصر المجاهدين، واقمع أعداء الدين، وانشر حكمتك على العالمين.

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.